في هذا المقال
عاصفة في خضم الزحام
كان الطنين المزعج لساعة المنبه في تمام الساعة السادسة صباحاً بمثابة إذن رسمي لبدء جولة جديدة من المعركة اليومية التي يخوضها طارق مع الحياة. فتح عينيه ببطء، وشعر فوراً بكتلة ثقيلة تستقر على صدره، وكأن جبلاً من التوقعات والالتزامات قد وضع فوقه طوال الليل. لم تكن هذه الكتلة سوى حصيلة تراكمية لأيام وأشهر طويلة من الضغوط النفسية والاجتماعية التي تحاصره من كل اتجاه.
في السابعة وعشرين دقيقة، كان طارق يقف أمام مرآة الحمام، يتأمل وجهه باحثاً عن تلك البراءة والنشاط اللذين طالما تميز بهما في سنوات شبابه الأولى. بدت الخطوط الخفيفة حول عينيه كأنها شواهد على قلق مزمن يرفض المغادرة. لم يكن طارق فاشلاً، بل على العكس، كان يحمل شهادة جامعية مرموقة ويعمل في وظيفة حساسة بشركة كبرى، لكن الطموح المفرط الذي فرضه عليه المجتمع، وتحديداً عائلته ومحيطه، جعل النجاح العادي جريمة لا تُغتفر.
في مجتمع يقدس المظاهر ويقيس قيمة الإنسان بحجم سيارته ورصيد حسابه البنكي وعدد ألقابه، كان طارق يشعر وكأنه يركض في سباق لا خط نهاية له. ففي كل جلسة عائلية، لم تكن الأسئلة تقتصر على الاطمئنان، بل كانت تحترق بفضول جارح: متى سترتقي لمنصب مدير؟ ألم تحن لحظة شراء شقة في الحي الراقي؟ لماذا تأخرت في الارتباط مقارنة بأقرانك؟ كانت هذه الكلمات تتردد في أذنه كدق أحجار الرحى، تسحقه ببطء دون أن يدرك أحد حجم النزيف الداخلي الذي تعانيه روحه.
على صعيد العمل، لم تكن الأمور بأفضل حال. كانت ثقافة الإنتاجية المطلوبة تجبره على العمل لأكثر من عشر ساعات يومياً، متخلياً عن هواياته، وعلاقاته الاجتماعية الحقيقية، وحتى عن صحته الجسدية. كان الخوف من فقدان الوظيفة أو التعرض للفشل يلاحقه كالظلام. صار قلقه ينعكس على نومه؛ فتقلباته الليلية أصبحت طويلة، وأفكاره لا تتوقف عن التخطيط والتدقيق والقلق بشأن الغد المجهول. لقد تحولت حياته إلى سلسلة من المهام الرتيبة والمؤلمة التي تؤدى بلا شغف، بل لمجرد إرضاء توقعات الآخرين.
وذات يوم، في خضم زحام المرور الخانق وبعد يوم عمل شاق وطويل مليء بالانتقادات من مديره، تلقى طارق اتصالاً هاتفياً من أحد أقاربه يعاتبه فيه على عدم حضوره إحدى المناسبات الاجتماعية بحجة انشغاله. شعر طارق بأن الكأس قد طفحت. توقف بسيارته على جانب الطريق السريع، وأطفأ المحرك، وعمّ سكون مفاجئ كسر صخب المدينة.
في تلك اللحظة، وسط الظلام الجزئي للسيارة، انهار طارق. لم تكن دموعه مجرد رد فعل على موقف عابر، بل كانت انفجاراً لبركان من الضغوط المكبوتة لسنوات. أدرك فجأة أنه كان يقاتل في معارك لا تخصه، وأنه كان يحاول إرضاء عالم لن يكتفي أبداً مهما قدم من تنازلات. لقد نسي من هو حقاً وماذا يريد هو لنفسه، وليس ما يريده المجتمع منه.
تابع جديد Mohamed EiD
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق