هل نحن فاشلون حقًا؟ أم أننا تعلمنا أن نرى أنفسنا كذلك؟

هل شعور الفشل نابع من داخلنا فعلًا؟ أم أنه أحيانًا مجرد إسقاط خارجي يُلقى بداخلنا دون أن نشعر؟

في البداية، قد لا نعرف حتى معنى أن نشعر بأننا فاشلون. ثم تبدأ الحكاية بهدوء؛ توقعات مثالية من الأهل، صورة معينة رسموها لمستقبلنا، ومقارنات مستمرة بأبناء الأقارب أو الأصدقاء أو زملاء الدراسة.

نسمع عبارات ربما تبدو عابرة لمن يقولها، لكنها لا تكون عابرة بالنسبة لمن يسمعها:
لماذا لست مثل فلان؟
انظر إلى ابن خالتك ماذا فعل.
ألم يكن من المفترض أن تكون أفضل من ذلك؟

ومع كل مرة لا نطابق فيها الصورة التي رسمها الآخرون لنا، يبدأ الإحساس بالفشل في التسلل إلى داخلنا.

وهذا من أقسى أشكال الفشل؛ لأنه لا يجعلك تشعر بأنك أخفقت في شيء فحسب، بل قد يجعلك تشعر بأنك أنت نفسك الخطأ.

يأتي معه شعور بالفراغ والوحدة، وبأنك لست كافيًا، وبأنك لا تملك مكانًا حقيقيًا في هذا العالم.

ثم يظهر صوت آخر… صوتك الداخلي.

في البداية يكون مجرد صدى لما سمعته من الآخرين، ثم مع الوقت تبدأ في تصديقه.

"أنا فعلًا فاشل."

"أنا متأخر عن الجميع."

"لماذا أحاول أصلًا؟ سأفشل في النهاية."

وهنا تحدث المشكلة الأكبر.

فقد يتحول الفشل من شعور إلى اعتقاد، ومن الاعتقاد إلى سلوك.

تتوقف عن المحاولة لأنك تتوقع النتيجة مسبقًا. وتؤجل، وتنسحب، وتفقد رغبتك في التجربة، ثم تنظر إلى عدم إنجازك باعتباره دليلًا جديدًا على أنك فاشل.

وتدخل في دائرة مغلقة.

ثم يأتي الهروب.

نلجأ إلى ما يبعدنا عن الواقع ولو لساعات، وغالبًا تكون وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من أسهل طرق الهروب المتاحة أمامنا.

لكن المفارقة أن المكان الذي نهرب إليه قد يزيد شعورنا سوءًا.

تفتح هاتفك، فتجد شخصًا يتعلم مهارة جديدة.

وآخر يملك وظيفة جيدة.

وثالثًا يسافر باستمرار.

ورابعًا تخرج من جامعة مرموقة وبدأ حياته المهنية.

ثم ترى صور السيارات والمنازل والمطاعم والسفر والإنجازات، فتبدأ دون أن تشعر في مقارنة حياتك بحياة الآخرين.

"هو وصل… وأنا لم أصل."

"هو أصغر مني وحقق كل هذا."

"أنا ماذا فعلت حتى الآن؟"

ثم يظهر إعلان بعد إعلان، يخبرك بشكل غير مباشر بما ينقصك، وما يجب أن تملكه، وكيف ينبغي أن تبدو حياتك.

فتخرج من الهاتف وأنت أكثر إحباطًا مما كنت عليه قبل أن تفتحه.

ومع الإفراط في استهلاك المحتوى السريع والتشتت المستمر، يصبح من الصعب أحيانًا أن تمنح نفسك الوقت الكافي للتفكير والتركيز والعمل الحقيقي.

وهكذا لا تعود تشعر بالفشل فقط…

بل تبدأ، دون أن تدرك، في تحويل هذا الشعور إلى واقع.

لكن ماذا بعد؟

هل يعني ذلك أننا عالقون في هذه الدائرة إلى الأبد؟

بالطبع لا.

أولى الخطوات هي أن تدرك أن رؤية الآخرين لك ليست تعريفًا نهائيًا لذاتك.

قد يراك شخص غير ناجح، وقد يراك آخر مختلفًا عن توقعاته، وقد لا يفهم أحدهم الطريق الذي تسير فيه أصلًا.

لكن رأي الآخرين لا يجب أن يتحول إلى حكم نهائي عليك.

والأهم من ذلك: انتبه إلى الطريقة التي تتحدث بها مع نفسك.

لأن تكرار فكرة معينة عن ذاتك يمكن أن يجعلها تبدو لك مع الوقت كأنها حقيقة لا تقبل النقاش.

لذلك لا تجعل صوتك الداخلي نسخة أخرى من الأشخاص الذين جلدواك من قبل.

لا تقل لنفسك دائمًا: "أنا فاشل."

استبدلها بـ:

"أنا لم أصل بعد."

هناك فرق هائل بين الجملتين.

الأولى تغلق الباب.

أما الثانية فتتركه مفتوحًا.

ولا تحتاج إلى تغيير حياتك بالكامل في يوم واحد.

ابدأ بأصغر الأشياء.

رتّب يومك.

أنهِ مهمة كنت تؤجلها.

تعلم شيئًا جديدًا.

اقرأ بضع صفحات.

أنجز شيئًا صغيرًا كنت تظن أنك لن تستطيع إنجازه.

ليس لأن هذه الأشياء ستغير حياتك فورًا، ولكن لأنها ستعيد إليك رسالة مهمة:

أنا ما زلت هنا.
أنا ما زلت أحاول.
وما زلت قادرًا على اتخاذ خطوة إلى الأمام.

وأخيرًا، إياك والمقارنة التي تظلمك.

أنت ترى حياتك من الداخل؛ ترى خوفك، وترددك، وأيامك السيئة، والأشياء التي لم تخبر بها أحدًا.

بينما ترى حياة الآخرين من الخارج؛ صورهم، إنجازاتهم، لحظاتهم الجميلة، والنتائج التي وصلوا إليها.

أنت تعرف كل تفاصيل معركتك، بينما تعرف من حياة الآخرين ما اختاروا أن يظهروه لك فقط.

لذلك لا تستخدم نجاح شخص آخر كدليل على فشلك.

نجاح الآخرين لا يعني أنك فشلت.

لكل شخص توقيته، وطريقه، وظروفه، والبدايات التي لم يرها أحد.

وربما المشكلة ليست أنك تأخرت…

ربما المشكلة أنك قضيت وقتًا طويلًا تنظر إلى طرق الآخرين، حتى نسيت أن تنظر إلى الطريق الذي يفترض أن تسلكه أنت.

لا تحتاج أن تثبت للجميع أنك ناجح.

يكفي أن تبدأ من جديد، ولو بخطوة صغيرة.

فأحيانًا لا تكون النجاة من الفشل في أن تحقق شيئًا عظيمًا…

بل في أن تستعيد إيمانك بأنك تستحق المحاولة مرة أخرى.image about هل نحن فاشلون فعلاً، ام اننا تعلمنا ان نرى انفسنا كذلك؟