الألبان المتخمرة ..... العلاج بالغذاء

الألبان المتخمرة ..... العلاج بالغذاء

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

الألبان المتخمرة ..... العلاج بالغذاء

 

أ.د/ مجدي محمد إسماعيل محمد

مركز البحوث الزراعية- مصر

        الغذاء هو مجموعة عناصر غذائية أساسية قوامها البروتينات، الدهون، الكربوهيدرات، المعادن ، الأملاح، الفيتامينات، و الألياف و الأنزيمات، إضافة للماء. و تتواجد أغلب هذه العناصر في مجموعات يكمل بعضها البعض. و يشكل تكامل هذه العناصر مع بعضها الغذاء السليم، و يشكل تناولها بالكفاية المطلوبة و الكيفية الملائمة و بالقدر النسب المطلوبة أساس التغذية السليمة. و تنصب كل جهود إنتاج الغذاء في تحقيق غذاء سليم آمن يفي بحاجة المستهلك لهذا الغذاء. إذ يعتبر الغذاء السليم بوفرته المتكاملة من أهم المقومات الأساسية لبناء الإنسان و استقرار المجتمعات.   

        ونظراً لأن الألبان ومنتجاتها من أهم وأكثر الأغذية التي يتناولها الإنسان فأننا نكون معنيون بما سبق ذكره عن الغذاء والمستهلك لهذا الغذاء. فاللبن يعد غذاء شبة كامل ويرجع ذلك لوجود العديد من المركبات الغذائية الهامة التي تدخل في تكوينه وهي الدهن والبروتين والسكر والأملاح والفيتامينات. هذه المركبات توجد في اللبن بنسب ملائمة جداً لاحتياجات جسم الإنسان وبصورة تكفل الحصول علي أقصى قيمة هضمية إذا ما قورن بالأغذية الأخرى. لذلك فأن العديد من المنظمات المهتمة بالتغذية توصي بأن يكون اللبن أو أحد منتجاته جزء من الوجبتين أو الثلاث وجبات التي يتناولها الإنسان يومياً. كما توصي بأن يكون اللبن ومنتجاته مكون رئيسي من مكونات الوجبات التي تقدم للأطفال في المدارس. وبالإضافة إلي توفر الكثير من المركبات الغذائية باللبن والتي تجعله من أفضل الأغذية للإنسان فأنه يتميز بالطعم المستساغ والذي يرغبه الكثير من المستهلكين وخاصة الأطفال. ففي الدول الأوروبية يلقن الطفل منذ صغره عادة استهلاك الحليب فإذا ما كبر كان شرب الحليب من أهم العادات التي يحرص عليها صباحاً ومساء وقد يضاف للبن بعض المواد الأخرى لإضافة طعوم و نكهات تجذب المستهلك وتزيد من تناوله للبن مثل إضافة الكاكاو أو بعض الفواكه. يتميز اللبن أيضا بسهولة تحضيره فهو لا يحتاج إلي تجهيزات خاصة أو إزالة أي مخلفات منه لكي يتم تناوله. فاللبن المبستر يمكن استهلاكه مباشرة بدون عملية طهي كما هو الحال في غالبية الأغذية الأخرى. وفي الدول المتقدمة يعتبر اللبن من أرخص الأغذية التي تحتوي علي بروتينات عالية القيمة الغذائية والحيوية مقارنة باللحوم والبيض. ولذلك فقد ذكر أحد العلماء بالولايات المتحدة أن من الأفضل للأسر المتوسطة بأن يحتوي غذائها اليومي علي 44% من الألبان ومنتجاتها والاكتفاء بنسبة 12% من اللحوم والأسماك.

        و تعد منتجات الألبان المتخمرة من أكثر منتجات الألبان استهلاكاً على مستوى العالم، بل أنه في بعض الدول يزيد معدل استهلاك هذه المنتجات مقارنة باستهلاك الحليب الطازج. و يمكن تعريف منتجات الألبان المتخمرة بأنها منتجات تصنع من اللبن نتيجة لتخمره و تحول سكر اللاكتوز به إلي مركبات أخرى و ذلك نتيجة لنمو و نشاط أنواع مختلفة من البكتريا باللبن أهما بكتريا حمض اللاكتيك. و يعد تحول سكر اللاكتوز إلي حمض لاكتيك هو التفاعل الرئيسي الذي يحدث في عملية التخمر أثناء صناعة منتجات الألبان المتخمرة إلا أن هذا لا يمنع من إنتاج بعض المركبات الأخرى التي تختلف تبعاً لنوع المنتج اللبني المصنع. و أكثر منتجات الألبان المتخمرة استهلاكاً على مستوى العالم هو الزبادي (اليوجورت)، و خلال تصنيع هذا المنتج فأن ما يقرب من 20-40% من سكر اللاكتوز الموجود باللبن يتحول إلي حمض لاكتيك. 

        وقد أثبتت العديد من الدراسات قدرة الزبادي (اليوجورت) علي إيقاف نمو البكتيريا المعوية المرضية. فهو يعد بيئة غير صالحة لمعيشة هذه البكتيريا لمدة طويلة فيه. وهناك عدة تفسيرات لذلك منها تأثير الرقم الهيدروجيني المنخفض للزبادي علي هذه البكتيريا إلا أن هذا التأثير يتوقف علي طبيعة المكونات الحمضية التي تنتجها بكتيريا الزبادي وهي حمض اللاكتيك و الخليك. فهذه الأحماض إذا ما وجدت علي الصورة غير المتأينة في الغذاء كان لها التأثير المضاد للبكتيريا أما إذا وجدت علي الصورة المتأينة فأنها تفقد هذا التأثير. ونظراً لأن الرقم الهيدروجيني لليوجورت يتراوح ما بين 3.8-4.5 فأن نسبة عالية من حمض الخليك المتكون به يكون علي صورة غير متأينة ونسبة أقل من حمض اللاكتيك تكون علي هذه الصورة. وبالإضافة إلي تأثير الرقم الهيدروجيني للزبادي علي نشاط البكتيريا المعوية المرضية فأن البكتيريا الموجودة به تنتج عدة مركبات عضوية (أحماض عضوية) ومركبات كربوثيلية طيارة قد يكون لها تأثير مضاد للبكتيريا المعوية المرضية. كما إن نواتج التمثيل الغذائي المختزلة لبكتيريا اليوجورت تعمل علي خفض جهد الأكسدة والاختزال في الوسط مما يوفر ظروف غير مناسبة لنمو البكتيريا المعوية المرضية.

        أن للبكتيريا الموجودة في الألبان المتخمرة المقدرة على إفراز مجموعة من الإنزيمات الميكروبية و التي تساعد على هضم الأغذية الصعبة مثل اللحوم وغيرها، لذلك ينصح دائما بتناول الزبادي واللبن الرايب مع تناول الأغذية صعبة الهضم.

        و من ناحية أخرى هناك أدلة قوية علي أن التغذية علي الألبان المتخمرة بميكروب  L. acidophilus تعمل علي خفض مستوى الكوليسترول في الدم ؛ ويرجع ذلك إلي احتوائها على مواد مضادة لتكوين الكوليسترول نفسه حيث تثبط الإنزيمات المشتركة في تخليق كوليسترول الجسم وخاصة في الظروف المماثلة للموجودة في الأمعاء (غير هوائية وفي وجود أملاح الصفراء). وكذلك تعمل الألبان المتخمرة على الحد من امتصاصه في الأمعاء ويرجع ذلك إلي قدرة البكتيريا على فك ارتباط أحماض الصفراء حيث أن لهذه الأحماض قدرة ضعيفة في المساعدة علي امتصاص الدهون وبالتالي الكوليسترول. ومما يؤكد ذلك ملاحظة بعض الباحثين بانخفاض نسبة الكوليسترول في الدم إلي 135 ملجم/100 مل في بعض القبائل التي تعيش في جنوب كينيا وشمال تنزانيا والتى يصل فيها استهلاك الفرد من الألبان إلي 4 لتر يومياً وغالبية هذه الألبان هي ألبان متخمرة. وفي إحدى التجارب تم تغذية 54 متطوع على وجبات غذائية تحتوى على الزبادي ، وبعد أسبوع واحد انخفضت نسبة الكوليسترول لدى هؤلاء المتطوعين بمقدار من 5-10%. كما أشارت دراسات أخرى إلي أن نسبة انخفاض الكوليسترول عند النساء أعلى من مثيلاتها في الرجال.

        أيضاً للبكتريا الموجودة بالألبان المتخمرة القدرة على زيادة المناعة الطبيعية للجسم حيث تستطيع البكتيريا الموجودة في الألبان المتخمرة أن تفرز وتنتج مواد مضادة طبيعية ومن أمثلتها (البكتريوسين Bacteriocin ، والنايسين Nicin) وغيرها و التي تعمل على تثبيط ووقف نشاط معظم البكتيريا المرضية للإنسان. و يلاحظ أنه عند تعرض الأطفال لبعض الإصابات المرضية العادية أو حتى عند التعرض للتغيير الفجائي في التغذية أو التغيير الفجائي في الجو وبالإضافة إلي بعض العوامل الأخرى يؤدي ذلك لاختلال في التوازن الميكروبي الطبيعي في القناة المعد معوية. حيث يزداد نمو الميكروبات المرضية ويقل نمو الميكروبات المفيدة. ويمكن أن يحدث ذلك في الكبار أيضا عند حدوث اضطرابات في وظائف المعدة أو خلل في حركة الأمعاء أو تليف في الكبد أو اضطرابات في الجهاز المناعي أو التعرض لأشعة خاصة أشعة X في منطقة البطن. إلا أنه يمكن إعادة الميكروفلورا الطبيعة بالقناة المعد معوية إلي وضعها الطبيعي عند زوال السبب في التغيير وعن طريق تناول الألبان المتخمرة المحتوية على بكتيريا L. acidophilus وبعض الأنواع من بكتيريا Bifidobacteria. كما أنه ينصح عادة بتناول الألبان المتخمرة المحتوية على البكتيريا السابقة بعد انتهاء فترة العلاج بالمضادات الحيوية. فمن المعروف أن تناول بعض هذه المضادات يؤدي لتغيرات عنيفة وقوية في التوازن الطبيعي للميكروفلورا المعوية. فعلى سبيل المثال يؤدي تناول Clindamycin قد يؤدي لإزالة كل الأنواع البكتيرية من Bifidobacteria ، Lactobacilli و Bacteriods  والميكروبات الكروية اللاهوائية في حين يؤدي تناول المضاد الحيوي Lincomycin إلي إزالة كل الميكروفلورا الطبيعية بالأمعاء. ولقد وجد أن تناول الأطفال ألبان محتوية على L. acidophilus ، Bifidobacterium bifidum بعد نهاية فترة العلاج بالبنسلين أدي إلى زيادة أعداد بكتيريا Lactobacilli ، Bifidobacteria في البراز وقلل من نمو خميرة Candida albicans.

        كذلك تشير بعض التجارب إلي أن لبكتريا الألبان المتخمرة قدرة على تثبيط نمو الخلايا السرطانية، ففي تجربة حديثة تمت على فئران التجارب و التي تغذت على لبن الأسيدوفلاس و الذي يستخدم في صناعته بكتيريا L.acidophilusأدى إلي إبطاء تطور ونمو بعض الأجزاء السرطانية بها. ويعتقد أن غالبية هذا التأثير المثبط يعزى إلي إزالة الأنزيمات التي لها القدرة علي تحويل المركبات المسرطنة المبدئية إلي مركبات مسرطنة. أيضاً أشارت بعض الدراسات إلي انخفاض نسبة ظهور النموات السرطانية بالقولون بنسبة 25-30% في الفئران عند التغذية علي الزبادي. ونتيجة لتأثير بعض الأنواع من بكتيريا حمض اللاكتيك علي البكتيريا المعوية والمرتبطة بالإصابة بسرطان الكبد فأن معدل الإصابة انخفض عند التغذية علي هذه الأنواع.

 وتوجد بعض السلالات من بكتيريا E. coli ، Clostridia ، Bacteroides و التي لها القدرة على تكوين مركبات النيتروزأمين Nitrosamines من الأمينات الثانوية باستخدام النتريت في الأمعاء. ومن المعروف أن مركبات النيتروزأمين هي مركبات مسرطنة. إلا أن نمو بكتريا Lactobacilli في الأمعاء يعمل على تكسير هذه المركبات. كما أن بعض الأجناس من بكتريا Lactobacillus casei لها القدرة على تكسير النترات والنتريت وهما من المواد المسرطنة أيضاً. 

        مما سبق تتضح القيمة الغذائية والصحية الكبرى للألبان ومنتجاتها والتي مازال العلم يكتشف أسرارها يوماً بعد الآخر. وهذا يفسر الاهتمام التي توليه الدول المتقدمة بهذه السلعة والتي يتزايد استهلاكها سنوياً. فالألبان ومنتجاتها من أهم الأغذية للصغار والكبار علي حد سواء.  

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

0

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-