
الأرق كلمة صغيرة ولكن تأثيرها كبير ، على حياة الناس
الأرق كلمة صغيرة ولكن تأثيرها كبير ، على حياة الناس
إن الأرق كلمة صغيرة لكن تأثيرها كبير، على حياة الناس. فالأرق، وإن لم يكن مرضاً، يغير بسهولة حياة إنسان بكاملها. إنسان كان بالأمس مفعماً بالحيوية والنشاط ناجحاً في حياته الشخصية والعملية، نجده اليوم منهاراً يائساً فاشلاً في عمله. ونُفاجأ عندما نكتشف أن الأرق هو السبب الوحيد لهذا التبدُّل الذي قد يدمر حياته.
من هنا أهمية هذه الإصابة التي يصعب وضعها في خانة الإصابات النفسية، كما يصعب كذلك وضعها في خانة الإصابات الجسدية. فالأرق رغم بساطته وعدم إعطائه الأهمية اللازمة من قبل الإختصاصيين، قد يؤدي إلى نتائج تفوق نتائج بعض الأمراض الخطيرة.
الأرق، ولو كان مرحلياً، يولد بسرعة حالة عدم اكتفاء جسدي ونفسي. وإن دام، يتحول بسرعة إلى مشكلة كبيرة قد يستحيل حلها.. فلنتصور تأثير هذه المشكلة على الذين يقضون طوال سنوات عديدة، ساعات من العذاب الليلي يبحثون خلالها دون جدوى عن راحة تهرب منهم. صعوبة في النوم، يقظة بعد منتصف الليل، أو فترات طويلة من اليقظة عند الفجر، ثم يتنفسون الصعداء مرهقين، عندما يرن المنبه.
عندما تتكاثر هذه المشاكل وتتلاحق، تؤدي حتماً إلى حالة من الأرق المزمن الذي يقض مضجع الكثيرين ويشاركهم سريرهم، ويحول الليل من فترة خلودللراحة، إلى فترة يخشونها ويحاولون تفاديها. ذلك، بإطالة السهر والإكثار من العمل حتى الوصول إلى درجة الإرهاق التام، فربما أدى ذلك إلى الإسراع في النوم. لكن العدو الجبار الذي لا مفر منه، ينتظرهم في أسرِّتهم كي يسرق النوم من عيونهم. المصاب بالأرق يعيش في دوامة أو إن صح القول، في دائرة مغلقة. هو لا ينام ليلاً ويعيش نهاره خائفاً من عدم استطاعته النوم في الليلة المقبلة. وهذه الخشية تكبر شيئاً فشيئاً كلما دنت ساعة النوم.
الذهاب إلى السرير مع الخشية وأحياناً الثقة التامة بأننا لن نستطيع النوم، هو تفكير يؤدي بالتأكيد إلى حالة الأرق، وبالتالي إلى الدوران في الحلقة المفرغة.
هناك الذين يستسلمون إلى قدرهم بلا محاولة الشفاء من هذه الحالة. وآخرون يريدون النوم بأي ثمن فيلجأون إلى الأدوية المنومة. وهناك الذين جربوا كافة الوسائل بلا جدوى ففقدوا الثقة بكل ما يتعلق بالنوم ورضخوا مرغمين لمصيرهم.
يمكننا القول بـأن علاج هذه الحالة متوافر، وإننا نستطيع القيام بعمل مفيد بالنسبة إلى معظم حالات الأرق، أو حالات النوم المضطرب، المهم أن نعرف، ونفهم، لماذا وكيف ننام أو لا ننام، وما هو النوم بحد ذاته وأهميته على مختلف الأصعدة. وأن نعرف خصوصاً ما هو الأرق. منذ سنوات قليلة فقط، توصل العلم إلى معرفة التفاصيل الطبية الدقيقة حول النوم بكافة جوانبه، وحول أهمية الأحلام وفائدتها وعلاقتها بوضع النائم ونوعية النوم، وبالنسبة إلى كل شخص على حدة حسب حالته النفسية وشخصيته الجسدية.
إن أبوابا كثيرة فتحت على عالم النوم الغريب الذي يقضي فيه الإنسان ثلث حياته.
أن الدخول إلى هذا العلم ضرورة ملحة، حيث الحلم ضروري لتوازن الإنسان. وهذه الحاجة الطبيعية التي لا تقاوم، كالجوع، إن لم تستوف حقها تؤدي إلى انحطاط رهيب يهدد حياة المصابين بالأرق.
حول هذه النقطة قرار الأطباء قاطع ؛ الأرق ليس حالة في حد ذاته، إنه ليس مرضاً. هو عارض ناتج عن أسباب معلومة أو مجهولة. لذلك يجب ألا نعالج الأرق في حد ذاته بل من الضروري إيجاد مسبب هذا الأرق وعلاج هذ المسبب. من هنا كان التعاطي مع الأ دوية المنومة يؤدي إلى النوم الجسدي، لكنه نوم مضطرب في فتراته، ولا يوفر الراحة المنشودة. كما أنه لا يعيد الإنسان إلى جو الليالي المفيدة، لشفاء المصاب بالأرق لا بد من معالجة سبب هذه الإصابة حتى ولو كانت عرضية، وحتى لو أكد المصاب نفسه أن حالته مزمنة ومتواصلة ولا يعرف سببها أو هو يائس من علاجها.
الأرق العارض أصبح مع الأسف جزءا لا يتجزأ من عصرنا ومن طريقة عيش مجتمعاتنا المتحضرة.
آخر الإحصاءات دل على أن في أوروبا، شخصا من أصل كل أربعة أشخاص يشكو اضطراباً في نومه. وفي الولايات المتحدة الأمريكية نصف عدد السكان تقريبا، يشكو من الإضطرابات نفسها، وثبت من خلال هذه الإحصاءات أن الإصابة بالأرق لا تززال غريبة عن المجتمعات المتخلفة أو البدائية. وهذا كله ليس بالسبب المقنع للقبول بهذه الحالة التي من نتائجها التعب والإنحطاط والإنهيار العصبي.
معاجلة اضطراب النوم والأرق ليست سهلة لكنها أيضا ليست مستحيلة.
نستطيع اليوم شفاء معظم حالات الأرق، أو على الأقل تحسين القدرة على النوم في الحالات الصعبة، هذا التقدم الكبير، حتى لو كان قائما على الأبحاث الطبية، يتأثير بقدرة المصاب بالأرق على تفهم مشكلته. أي على اكتشاف النوم وميكانيكيته ومراحله والمبررات النفسية للأحلام، ومن خلال ذلك الحاجة الطبيعية للنوم. من هنا تمر إمكانات الشفاء. وبهذه الطريقة يكتشف المصاب بالأرق أحيانا أن حالته غير معقدة. وغالبا ما يجد السبب الرئيس لهذه الإصابة.
تعميق النوم بالنوم يؤهلنا إذا للتعمق في اكتشاف الذات ورسم صوررة مفصلة عن شخصية النائم. هذه الشخصية التي تختلف لدى كل واحد منا، مما يفرض معالجة كل حالة على حدة وتجنب المعالجات الجماعية.
