الصحة النفسية أولوية، والعناية بها مسؤولية مشتركة
الصحة النفسية أولوية، والعناية بها مسؤولية مشتركة
- الصحة النفسية: حق إنساني أساسي واستثمار في مستقبل أفضل
في عصرنا الحالي الذي يتسم بالسرعة والضغوط المتلاحقة، أصبحت الصحة النفسية ليست رفاهية إضافية، بل ضرورة حياتية ملحة. وفقًا لأحدث بيانات منظمة الصحة العالمية (2025)، يعيش أكثر من مليار شخص حول العالم مع اضطراب نفسي أو حالة صحية نفسية، أي ما يقارب واحدًا من كل سبعة أشخاص. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل إنذار يُظهر أن إهمال الصحة النفسية أصبح أزمة عالمية صامتة تُكلف البشرية خسائر بشرية واقتصادية هائلة.
الصحة النفسية، كما تُعرفها منظمة الصحة العالمية، هي حالة من الرفاه النفسي تمكّن الإنسان من التعامل مع ضغوط الحياة العادية، وتحقيق إمكاناته، والعمل بإنتاجية، والإسهام في مجتمعه. ليست غياب المرض فحسب، بل وجود شعور بالرضا، التوازن، والقدرة على الصمود.
لماذا تُعد الصحة النفسية بهذه الأهمية القصوى؟
أولاً، هي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالصحة الجسدية. الدراسات تثبت أن الاكتئاب المزمن والقلق الدائم يرفعان مخاطر الإصابة بأمراض القلب، السكري، ارتفاع ضغط الدم، وحتى ضعف المناعة. الأشخاص ذوو الصحة النفسية الجيدة يعيشون أطول، ويتعافون أسرع من الأمراض، ويحتاجون رعاية طبية أقل.
ثانيًا، هي أساس الإنتاجية والاقتصاد. الاضطرابات النفسية تُعد من أكبر أسباب الإعاقة حول العالم، وتتسبب في خسائر اقتصادية تصل إلى تريليونات الدولارات سنويًا بسبب انخفاض الإنتاجية، الغياب عن العمل، والعلاجات الباهظة. في المقابل، الاستثمار في الصحة النفسية يُعيد مضاعفة الفوائد على المستوى الفردي والمجتمعي.
ثالثًا، هي أساس العلاقات الإنسانية. الشخص الذي يعاني نفسيًا يجد صعوبة في بناء علاقات صحية، التواصل بفعالية، أو تقديم الدعم للآخرين. بينما الصحة النفسية المتوازنة تُنتج أفرادًا أكثر تعاطفًا، صبرًا، وحبًا.
الواقع المرير: الوصمة والفجوة العلاجية
رغم كل هذه الأدلة العلمية، لا يزال معظم المصابين لا يتلقون أي علاج مناسب. في كثير من الدول – بما فيها دولنا العربية – تمنع الوصمة الاجتماعية الناس من طلب المساعدة. كلمات مثل "مجنون" أو "ضعيف" لا تزال تُطلق على من يلجأ إلى متخصص نفسي. هذا التصور الخاطئ يكلف أرواحًا؛ فالانتحار لا يزال من أبرز أسباب الوفاة بين الشباب (15-29 سنة) في معظم دول العالم.
كيف نحمي صحتنا النفسية يوميًا؟
الحماية لا تحتاج إلى موارد ضخمة، بل إلى وعي وممارسات يومية بسيطة:
النوم الجيد (7-9 ساعات) – أقوى "دواء" مجاني للعقل.
الحركة اليومية – المشي أو الرياضة تُفرز هرمونات السعادة (الإندورفين).
التغذية السليمة – تقليل السكريات والأطعمة المصنعة يُحسن المزاج بشكل ملحوظ.
بناء علاقات داعمة – الحديث مع صديق حقيقي أقوى من أي علاج أحيانًا.
وضع حدود صحية – تعلم قول "لا" دون شعور بالذنب.
ممارسة الامتنان أو التأمل أو الصلاة – تُقلل التوتر وتُعزز الرضا.
طلب المساعدة مبكرًا – عند استمرار الحزن، القلق الشديد، اضطراب النوم، أو الأفكار السلبية لأكثر من أسبوعين.
خاتمة قوية
الصحة النفسية ليست ترفًا، بل حق إنساني أساسي أقرته منظمة الصحة العالمية والمجتمع الدولي. من يهملها يدفع ثمنًا باهظًا على المستوى الشخصي والأسري والمجتمعي. ومن يستثمر فيها اليوم – سواء بالعناية الذاتية أو بكسر حاجز الوصمة أو بدعم من يحتاج – يبني مجتمعًا أقوى، أكثر إنتاجية، وأكثر إنسانية.
فليكن قرارنا اليوم:
الصحة النفسية أولوية، والعناية بها مسؤولية مشتركة.
