دور الاسرة و المجتمع في دعم الافراد المصابين باضطرابات نفسية
مقال:دور الأسرة والمجتمع في دعم الأفراد المصابين باضطرابات نفسية
✨مقدمة المقال
ليس الاضطراب النفسي هو أكثر ما يؤلم الإنسان دائمًا، بل أحيانًا تكون العزلة، وسوء الفهم، ونظرة المجتمع أشد قسوة من المرض نفسه. فكم من شخص يعاني بصمت، لا لأنه عاجز عن العلاج، بل لأنه لم يجد من يحتوي ألمه أو يمنحه الشعور بالأمان والانتماء.
في الواقع، لا يعيش الفرد بمعزل عن أسرته أو مجتمعه؛ فالصحة النفسية ليست شأنًا فرديًا خالصًا، بل هي نتاج تفاعل مستمر بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي. ومن هنا، يصبح دعم الأسرة والمجتمع عنصرًا أساسيًا في مسار التعافي النفسي، وقد يكون في كثير من الحالات العامل الحاسم بين الانتكاس والشفاء.
يناقش هذا المقال الدور الذي تلعبه الأسرة والمجتمع في دعم الأفراد المصابين باضطرابات نفسية، انطلاقًا من منظور نفسي عيادي، مع الاستناد إلى مراجع علمية توضّح أهمية المساندة الاجتماعية بوصفها ركيزة أساسية للصحة النفسية والتوازن النفسي للفرد.
يُعدّ الفرد نتاجاً مباشراً للبيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها،وفي مقدمتها الأسرةالتي تُعَد أهم جماعة أولية ينتمي إليها الإنسان منذ ولادته ، فهي الإطار الذي يتلقى فيه الطفل قيم المجتمع ومعاييره وأنماط السلوك المقبولة، كما تُسهم في تشكيل شخصيته وتوجيه تفاعلاته مع الآخرين ولا تقتصر وظيفة الأسرة على الإشباع المادي،بل تلعب دوراً محورياً في الإشباع العاطفي والنفسي بما يضمن التوازن والصحة النفسية للفرد.
- تتشكل شخصيتنا و تتطور بطرق هامة خلال اتصالاتنا الاجتماعية بالأخرين, و تبدا عملية التنشئة الاجتماعية و هي ان يتعلم الفرد كيف يصبح عضو في اسرته و في مجتمعه المحلي , وفي جماعته القومية منذ الطفولة المبكرةوتتقدم مع تقدمالنمو و التعلم الى الدرجة التي يسلك بها الفرد و يفكر و يشعر و يقيم الأمور بطرق تشبه ما يفعلهكلفرد اخر في المجتمع( سلوى الملا و محمد عثمان. .1993 27 )
- و من هنا تعتبر الصحة هدفا من اهداف التنمية و التطور الاجتماعي و الاقتصادي و هي حق أساسي لجميع الشعوب, وقد عرفت منظمة الصحة العالمية الصحة بانها كون الانسان سليما تماما من الناحية البيولوجية و العقلية و الاجتماعية و النفسية فالشخص الذي يتمتع بصحة جيدة يستطيع انجاز واجباته و ادواره الاجتماعية, و يستطيع التكيف مع البيئة التي يعيشفيها, و على العكس من ذلك فان المرضفهو يأتي نتيجة إحساس الفردببعض العلامات و الاعراض التي تغير سلوكه و يصبحغيرسوي اجتماعيا او سلوكيا اونفسيا و غير قادر على أداء دوره الاجتماعيبشكل الأمثل)حسينعبد الحميد . 2 1 0 2 . 3 9 1 )
بحيث يتضحلنا ان الاضطراب النفسييأثر في سلوك الفرد الاجتماعي و حتى الاسري بطبيعةالحال وبالتالي بماأن الفرد يعيش ضمن جماعة فان الاسرة و المجتمع تلعب دورا هاما في مرضه او في شفاءه من خلال دعمه ليخرج من حالة اللاسواء الى السواء , بحيثيعتبر علاج الفردعن طريق الجماعة من افضل اشكال العلاج من خلال ما يسمى بتطبيع الاجتماعياو في تبصير المريض بانه ليسالوحيد الذي يعاني من هاته المشاكل بل ان هناك أناس كثيرون مرو بأمور مشابهة , وحثه بان يصبح عضوافعالا فيالجماعة و ان يتواجد بها و افضل حل له لمساعدته تكون من قبل الاسرة و المحيط المجتمعي الذي يعيش فيه , و قد اثبتت الاسرة نجاحها في المساعدة في علاج كثير من الحالات و منها : المرضى العقليون السابقون – 2 مدمنو المخدرات – 3 مرضى السمنة – 4 المنحرفون جنسيا – 6 الإضطرابات في مرحلة المراهقة -7 الشيوخ و الكبار – 8 الشيوخ و الكبار .

- اذا كان المرض النفسي يسبب اختلال العلاقة بين الفرد و مجتمعه فل حل يكمن في نفس الجماعة التي يتكون منها الأصدقاء و الأقارب و العائلة و الزملاء هم من يمكنهم مساعدته لتجاوز محنته و اعادته الى محيطه الاجتماعي فهو محور نشاط و عمل الفرد و من هنا جاء اهتمام المعالجين باستخدام اثر الجماعة في علاج الفرد ( محمد حسن غانم. .2011 246 247.)
- وتعرف المساندة الاجتماعية حسب ساراسون (Sarason) بأنها مدى وجود وتوفر أشخاص يمكن للفرد أن يثق فيهم ويعتقد أنهم في وسعهم أن يعتنوا به ويحبونه ويقفوا بجانبه عند الحاجة. وقد قسمها مارتين هابرا (2005) إلى أبعاد هي:
✤ المساندة العاطفية: وتنطوي على الرعاية والثقة والقبول والتعاطف.
✤ المساندة المعلوماتية: وتنطوي على المساعدة في العمل والمساعدة بالمال، ويطلق عليها أيضاً العون أو المساندة المالية أو المساندة الملموسة.
✤ مساندة التقدير: وتظهر في دعم الآخرين وعلاقتهم الاجتماعية بالفرد مما يشعره بالكفاءة الشخصية وتقدير الذات (بلخير الرشيد، 2019، 31-37).
وللمساندة الاجتماعية أثر بارز على الفرد وتنقسم إلى نوعين:
-1 آثار غير مباشرة: حيث تعزز العلاقة الاجتماعية الحميمية سلوكيات إيجابية أو استجابات عصبية غدية مناسبة تحفظ نشاط الجسم الفسيولوجي السليم في مواجهة الضغوط، وهو ما يفسر القيمة الوقائية والعلاجية للعلاقات الاجتماعية القوية.
2- أثار مباشرة : التأثير الذي تمارسه المساندة الاجتماعية على السلوك, حيث تدفع الناس إلى ممارسة سلوكيات صحية سليمة كالتغذية و الرياضة ( كريمة مقاوسي . 2017 . 12 )
✤الدعم الأسري (العائلة)
يتجلى الدعم العائلي في المساندة الوجدانية، وفهم الوالدين لسلوك الأبناء واحتوائهم، وإبراز الحب وتشجيعهم على إنجازاتهم، والاهتمام بمطالبهم وتوجيههم برفق، ومشاركتهم في نشاطاتهم، وإشباع حاجاتهم و مشكلاتهم
ويتفق كثير من علماء النفس في العصر الحديث على أن رعاية الإنسان في أسرته من أهم عوامل تنمية صحته الجسمية والنفسية، لاسيما في مرحلتي الطفولة والشيخوخة، ودعوا إلى رعاية الأطفال وكبار السن في أسرهم وعدم إبعادهم عنها إلا عند الضرورة (كمال إبراهيم مرسي، 2008، 51)
✤دعم الرفاق (الأصدقاء) 
تعتبر جماعة الرفاق ذات دور إيجابي في عملية الدعم، فهي تؤثر في معايير الفرد الاجتماعية، وقد يفوق أثرها أثر المنزل كما أشارت بعض الدراسات. ويرى مات ودين (1993) أن الأفراد الذين يفتقدون المساندة يميلون إلى الانسحاب والابتعاد وقد يكونون أكثر عرضة للاضطراب النفسي، بينما الذين يرتبطون بصداقات كثيرة يكونون أقل شعوراً بالوحدة والعزلة (خديجة حمو علي، 2020. 64).
✨ خاتمة المقال
في ضوء ما تمّ عرضه، يتّضح أن الاضطرابات النفسية لا يمكن فهمها أو التعامل معها بمعزل عن السياق الأسري والاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد. فالدعم الأسري، والمساندة الاجتماعية، والاحتواء النفسي ليست عناصر ثانوية، بل تشكّل ركائز أساسية في تعزيز التوازن النفسي ودعم مسار التعافي.
إن الأسرة الواعية، والأصدقاء الداعمين، والمجتمع المتفهّم، يمكن أن يتحوّلوا إلى عوامل حماية حقيقية تساهم في التخفيف من حدّة المعاناة النفسية، وتساعد الفرد المصاب على استعادة ثقته بنفسه وقدرته على أداء أدواره الاجتماعية بفعالية. ومن هنا، تصبح مسؤولية دعم المصابين باضطرابات نفسية مسؤولية جماعية تتطلّب نشر الوعي، ومحاربة الوصم الاجتماعي، وتعزيز ثقافة التقبّل و التضامن.
وعليه، فإن الاستثمار في العلاقات الإنسانية السليمة، وتفعيل آليات الدعم الأسري والمجتمعي، لا يخدم الفرد المصاب فحسب، بل يسهم في بناء مجتمع أكثر صحة نفسية وتماسكًا اجتماعيًا.
💬 سؤال للقارئ
برأيك، ما الدور الذي يمكن أن يقوم به كلّ فرد داخل الأسرة أو المجتمع للحدّ من الوصم الاجتماعي ودعم الأشخاص المصابين باضطرابات نفسية بطريقة أكثر إنسانية وفاعلية ؟
✤ قائمة المراجع
مرسي، ك. إ )2008(الأسرة والتوافق الأسري. القاهرة، مصر: دار النشر للجامعات.
رشوان، ح. ع. أ )2012(الأسرة والمجتمع: دراسة في علم اجتماع الأسرة. الإسكندرية، مصر: مؤسسة شباب الجامعة.
الملا، س.، & عثمان، م )1993(علم النفس الاجتماعي. القاهرة، مصر: دار الشروق.
غانم، م. ح )2011(الاضطرابات النفسجسمية. القاهرة، مصر: دار غريب للطباعة والنشر.
مقاوسي، ك)2017(أثر المساندة الاجتماعية على الصحة والمرض (أطروحة دكتوراه غير منشورة). جامعة الجزائر 2، كلية العلوم الاجتماعية، قسم علم النفس، الجزائر.
حمو علي، خ )2020(مساهمة الدعم النفسي الاجتماعي في تحقيق الصحة النفسية لدى عينة من المسنين (أطروحة دكتوراه غير منشورة). جامعة الجزائر 2، كلية العلوم الاجتماعية، قسم علم النفس، الجزائر.
بلخير، ا )2019.(المساندة الاجتماعية وعلاقتها بالتخفيض من درجة الاكتئاب لدى مرضى السرطان (أطروحة دكتوراه غير منشورة). جامعة الجزائر 2، كلية العلوم الاجتماعية، قسم علم النفس، الجزائر.