حين يصبح القرب غربة: رحلة السقوط بين الرفقة الزائفة والهروب من الذات

حين يصبح القرب غربة: رحلة السقوط بين الرفقة الزائفة والهروب من الذات

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about حين يصبح القرب غربة: رحلة السقوط بين الرفقة الزائفة والهروب من الذات

حين يصبح القرب غربة: رحلة السقوط بين الرفقة الزائفة والهروب من الذات

تلك الليلة، ظلت الكلمة تتردد في رأسي: "رفيق... رفيق..."، تأملت أنني حين بكيت كنت وحدي، وحين فرحت كان صدى ضحكتي يعود من جدران الغرفة إلى أذني. أدركت أنني ما رافقت يومًا رفيقًا حقيقيًا، بل مجرد أشخاص عابرين أو أصحاب مصالح مؤقتة. حينها فهمت أنني منقطع السبل؛ لن يتأثر أحد إن غبت عن العالم، ولن تنزاح الغمّة عني أو عن رفيق المصالح بمجرد الجلوس معي، بل ربما كنت أنا الغمّة ذاتها. استوعبت أن من يُفرض عليك وتُفرض عليه في المؤسسات التعليمية، وفي فصول الدراسة، وفي الزمالات الوظيفية، لم يكن يومًا رفيقًا حقيقيًا، ولن يكون.

الرفيق لا يُصنع بمقاعد متجاورة، ولا تحكمه دفاتر الغياب والحضور. أما هؤلاء فلم يحترفوا سوى نصب المشانق لي. حينها عرفت أن حكايتي ليست حكاية حمزة وحده، بل حكاية شخص يرتدي وجه الأُنس، ويخفي داخله ألف غربة. ومنذ تلك الليلة، صرت أخشى الوجوه القريبة أكثر من خوفي من الكلب المسعور. أصبحت أرتاب في كل ابتسامة، وأتساءل خلف كل كلمة طيبة: هل هي صادقة أم مقدمة لطعنة جديدة؟ كان الخوف يتسلل إلى داخلي بهدوء، حتى صار جزءًا من شخصيتي وطريقة رؤيتي للناس والحياة.

في عموم تلك السنين كنت نموذجًا للتلميذ البليد والمنحرف وغير المرغوب فيه بتاتًا. كنت أبحث عن المحرمات بشراهة مع من أظنهم "رفقائي"، والكلمة هنا لا تعني الصديق المقرّب، بل كل من كان يحيطني من أبناء جيلي؛ زملاء الفصل، وأبناء الحي، وأقارب السن. كنت أتوهم أن وجودهم حولي يعني شيئًا، كما يلهث المدمن البائس خلف جرعته الأخيرة. غالب الظن أنني كنت آنذاك شيئًا بلا روح، جسدًا يتحرك وفق عادة الحياة؛ يفرح، يغضب، ويكترث ظاهريًا، بينما هو في الحقيقة فارغ من الداخل. كل ما أمارسه يوميًا كان يتمثل في الإعجاب بهذه وتلك، وعصيان هذا المعلم، وسبّ ذلك الطالب، والهروب من هذا السائق، وكأن حياتي سلسلة من الأفعال العبثية التي لا تحمل أي معنى حقيقي.

كل ما أرويه الآن أراه بعين مختلفة تمامًا؛ بعين شخص تغيرت نظرته إلى الحياة وإلى نفسه. أصبحت العواطف بالنسبة لي حملًا وصراعًا، والتعامل معها عبئًا أكبر. كنت أهرب من مواجهة نفسي، وأترك مشاعري تقودني حيث تشاء، بلا وعي ولا مقاومة. وفي خضم هذا الاضطراب الداخلي، كنت أفقد قدرتي شيئًا فشيئًا على فهم ذاتي أو حتى التعرف عليها. صار داخلي ساحة حرب لا تهدأ، بين ما أريده، وما أكرهه، وما أخشاه، وما أهرب منه.

قال رسول الله ﷺ:
"إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا." رواه أبو داود.
لكن حصاد عدم السير في طريق التداوي والإصلاح، المذكور في كلٍّ من العلم النفسي والشريعة الإسلامية، كان قاسيًا. أصبحت شخصًا يحارب شعوره ويحاربه شعوره في الوقت نفسه، يخاف من العلاقات، وكأنه لم يسمع يومًا عن سبيل الله أو عن الطمأنينة الحقيقية. تحولت إلى تلميذ يُعد من أحطّ النماذج الأخلاقية والأكاديمية. وفي رأيك، ما السبيل لمثل هذا الكيان المتهاوي غير الهلاك أو الإدمان؟ كنت أشعر أنني أسقط ببطء، دون أن يمد أحد يده لينقذني، ودون أن أملك أنا الشجاعة الكافية لإنقاذ نفسي.

أصبح داخلي ينتظر وقت الرحيل فحسب. صار أدنى عتاب بمثابة حمل عملاق أُجبر على مواجهته بالصمت. أصبح التجاهل، والسكوت، وانتظار النهاية، وسائل نجاتي المؤقتة. وكلما اضطررت إلى التنفيس عن نفسي، لم ألجأ إلى الطريق السليم المتمثل في التعبير اللفظي أو غير اللفظي عن المشاعر والأفكار والذكريات المكبوتة، بل هربت إلى الملهيات والمنسيات؛ إلى الطعام الذي يفتك بالجسد، وإلى الأغاني التي تُفتت القلب، حتى أصبحت لاحقًا فريسة سهلة لكل مريض نفسي، ولكل ظالم، ولكل رفيق مزيف، ولكل فكرة سامة غير ملموسة. لم أعد أميز بين من يقترب ليؤنسني، ومن يتسلل ليكسرني.

صرت أتنازل عن حدودي، وأدفع ثمن ذلك من عمري وصبري. وكلما ظننت أنني أمسكت بحبل النجاة، اكتشفت أنه حبل مشنقة منصوب مسبقًا. والأسوأ من ذلك أن هذا الطريق أصبح مدعومًا ومُعترفًا به من جهات صحية ودينية كثيرة حول العالم، باعتبار العلاج النفسي وسيلة حقيقية لتحسين جودة الحياة. ووفقًا لدراسة أجرتها University of Cambridge بعنوان "تأثير العلاج النفسي للاكتئاب على جودة الحياة"، ثبت أن العلاج النفسي يُحسن جودة الحياة لدى مرضى الاكتئاب، ليس فقط عبر تخفيف الأعراض النفسية، بل أيضًا عبر تحسين نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى حياته وعلاقاته. حين أدركت ذلك، فهمت أن النجاة لم تكن مستحيلة يومًا، لكنها كانت تحتاج إلى اعتراف صادق بالألم، وإلى شجاعة البدء من جديد.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
حمزة محمود تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-