لماذا نتعلق بمن يؤذينا؟ فهم التعلق والعلاقات المؤذية
لماذا نتعلق بشخص يؤذينا رغم أننا نعرف أن العلاقة تؤلمنا؟
من أكثر التجارب إرباكًا أن تعرف بعقلك أن العلاقة تؤذيك، ثم تجد قلبك متعلقًا بها كأن الرحيل مستحيل.
قد تدرك أنك لا تحصل على المعاملة التي تستحقها. وقد ترى بوضوح أن هذه العلاقة تستنزفك، وتجعلك أكثر قلقًا وحزنًا وأقل ثقة بنفسك. ومع ذلك، قد تشعر برغبة شديدة في البقاء، أو تجد نفسك تعود بعد كل محاولة للابتعاد.
وهنا يبدأ السؤال القاسي:"ما الذي يحدث لي؟ لماذا لا أستطيع الرحيل مع أنني أعرف الحقيقة؟"
الإجابة ليست أنك ضعيف، ولا أنك تفتقر إلى الوعي أو الإرادة. فالعقل يستطيع أن يرى الضرر بوضوح، بينما تظل المشاعر متصلة بالخوف والاحتياج والذكريات والأمل. والارتباط العاطفي لا ينشأ بالمنطق وحده، ولذلك لا ينتهي دائمًا بمجرد أن نفهم أن العلاقة غير مناسبة.
قد تعرف أن النار تحرقك، لكنك تظل تنتظر اللحظة التي تمنحك فيها الدفء الذي افتقدته طويلًا.
لفهم هذا التناقض، علينا أن ننظر إلى ما يحدث داخل العلاقة وداخل النفس معًا.
١- الخوف من الهجر
بالنسبة إلى بعض الأشخاص، لا يعني انتهاء العلاقة فقدان شخص فحسب، بل قد يبدو كأنه فقدان للأمان أو القيمة أو الانتماء. قد يشعر الإنسان، في أعماقه، أن رحيل الطرف الآخر يعني أنه لم يكن جديرًا بالحب، أو أنه سيبقى وحيدًا، أو أنه لن يجد شخصًا آخر. ولهذا يصبح ألم الانفصال المتوقع أشد حضورًا من ألم العلاقة الذي يعيشه كل يوم.
وقد يظهر الخوف من الهجر في أفكار مثل:
“ماذا لو لم أجد شخصًا آخر؟”
“ماذا لو تركني لأنني لست كافيًا؟”
“ربما المشكلة فيّ.”
“ربما لو حاولت أكثر سيتغير.”
“لا أستطيع تخيل حياتي من دونه.”
هذه الأفكار لا تثبت أن العلاقة جيدة، بل تكشف مقدار الخوف المرتبط بفقدانها.
أحيانًا لا نتمسك بالعلاقة لأنها تمنحنا الأمان، بل لأن فقدانها يوقظ خوفًا أقدم من العلاقة نفسها.
ومن المهم هنا أن تسأل نفسك:"هل أريد هذا الشخص فعلًا، أم أنني أخشى الشعور الذي سيأتيني إذا فقدته؟"
قد تكون الإجابة مزيجًا من الاثنين، لكن التمييز بين الحب والخوف خطوة أساسية لفهم ما يحدث.
٢- أنماط التعلق وحساسية الرفض
تتأثر طريقة ارتباطنا بالآخرين بخبراتنا العاطفية السابقة، ولا سيما التجارب التي تعلمنا من خلالها معنى القرب والأمان والرفض.
بعض الأشخاص يشعرون بالأمان في العلاقات بسهولة نسبية، بينما يكون آخرون أكثر حساسية تجاه أي علامة محتملة على الابتعاد. وقد يحتاجون إلى قدر كبير من الطمأنة حتى يشعروا بأن العلاقة مستقرة.
عندما يكون الخوف من فقدان الآخر شديدًا، قد يتحول موقف بسيط إلى سلسلة طويلة من القلق.
يتأخر الطرف الآخر في الرد، فتبدأ الفكرة:
“هل تغير؟”
ثم تتطور إلى:
“هل لم يعد يحبني؟”
ثم تصبح:
“هل فعلت شيئًا خاطئًا؟”
وبعدها يبدأ الشخص في مراجعة الرسائل، وتحليل الكلمات، ومراقبة أوقات الظهور، ومحاولة استعادة اهتمام الطرف الآخر بأي طريقة.
وهنا لا يعود السؤال:"هل هذه العلاقة مناسبة لي؟"
بل يصبح:"ماذا أفعل حتى لا يتركني؟"
ومع تكرار هذه الدائرة، قد ينشغل الإنسان باستعادة الشعور بالأمان إلى درجة تجعله يتجاهل تقييم العلاقة نفسها.
لكن أنماط التعلق ليست أحكامًا نهائية، وليست تشخيصات ثابتة. يمكن فهمها وتعديلها بالتجارب الصحية، وبناء الأمان الداخلي، وأحيانًا بالمساعدة النفسية المتخصصة.
٣- التعزيز المتقطع: لماذا يزيد التذبذب من التعلق؟
من أكثر المفاهيم التي تساعد على فهم العلاقات المرهقة مفهوم "التعزيز المتقطع".
يحدث التعزيز المتقطع عندما لا يأتي الاهتمام بصورة مستقرة، بل يظهر ويختفي بطريقة يصعب توقعها.
في يوم يكون الطرف الآخر حنونًا ومهتمًا، وفي اليوم التالي يصبح باردًا أو يتجاهلك، مرة يخبرك أنه لا يستطيع العيش من دونك، ثم يختفي.
بعد فترة من الجفاء، يعود باعتذار مؤثر أو اهتمام شديد، فتشعر أن العلاقة استعادت أجمل أيامها، لكن هذا التحسن لا يستمر طويلًا، وتعود الدائرة من جديد.
المشكلة هنا أن اللحظات الجيدة تصبح شديدة التأثير لأنها نادرة وغير متوقعة. فيظل الإنسان ينتظرها، ويقول لنفسه:
“ربما يعود كما كان.”
“ربما كانت هذه آخر مرة يؤذيني فيها.”
“لقد رأيت جانبه الطيب، إذن لا يزال هناك أمل.”
وهكذا قد يصبح الشخص متعلقًا باللحظة الجيدة القادمة أكثر من ارتباطه بالواقع اليومي للعلاقة.
لا يعني وجود هذا النمط بالضرورة أن الطرف الآخر يتعمد التلاعب بك. فقد يكون مترددًا، أو غير ناضج عاطفيًا، أو يعاني صعوبات شخصية لا يعرف كيف يتعامل معها. لكن النية ليست السؤال الوحيد المهم.
السؤال الأهم هو: “ما أثر هذا النمط في صحتي النفسية وشعوري بالأمان؟”
قد لا يتعمد شخص إيذاءك، ومع ذلك يكون استمرار العلاقة معه مؤذيًا لك.
٤- التعلق بصورة الشخص لا بسلوكه الحالي
أحيانًا لا نتعلق بالشخص كما هو الآن، بل بالشخص الذي عرفناه في البداية، أو بالصورة التي نعتقد أنه قادر على أن يصبح عليها.
قد تقول:
“هو لم يكن هكذا في البداية.”
“أنا أعرف أنه شخص جيد من الداخل.”
“هو يمر بظروف صعبة فقط.”
“لو تحسنت ظروفه سيعود كما كان.”
“أنا لا أريد شيئًا جديدًا، أريد علاقتنا القديمة فقط.”
لكن العلاقة لا تُقاس بأفضل لحظاتها، ولا بالوعود، ولا بالإمكانات التي قد تتحقق يومًا. إنها تُقاس بالنمط الذي تعيشه الآن.
قد يكون الشخص قد منحك حبًا حقيقيًا في وقت ما، وقد تكون اللحظات الجميلة صادقة بالفعل، لكن صدق الماضي لا يلغي ألم الحاضر، ولا يضمن تغير المستقبل.
جرّب أن تسأل نفسك بصدق:"لو قابلت هذا الشخص اليوم للمرة الأولى، ورأيت منه السلوك نفسه الذي أراه الآن، فهل كنت سأختار الدخول في هذه العلاقة؟"
الإجابة عن هذا السؤال قد تكون مؤلمة، لكنها تفصل بين الشخص الحقيقي والصورة التي ما زلت تنتظر عودتها.
٥- محاولة الحصول على الحب الذي لم نحصل عليه
قد يتحول الحب، من دون أن نشعر، إلى محاولة لإثبات القيمة.
بدلًا من أن نسأل:
“هل يعاملني هذا الشخص بطريقة صحية؟”
نبدأ في التفكير:
“كيف أجعله يحبني؟”
“كيف أثبت له أنني أستحق؟”
“ماذا ينقصني حتى يختارني؟”
“لو نجحت في تغييره، فسأشعر أخيرًا بأنني مهم.”
وهنا تتحول العلاقة إلى اختبار مستمر. يصبح رضا الشخص صعب الإرضاء دليلًا على قيمتنا، ويصبح ابتعاده حكمًا علينا بالفشل.
قد يكون هذا الاحتياج مرتبطًا بخبرات قديمة شعر فيها الإنسان أن الحب مشروط: يجب أن يكون أكثر هدوءًا أو نجاحًا أو تضحية حتى يحصل على الاهتمام.
ولهذا قد ينجذب، في مرحلة لاحقة من حياته، إلى علاقة تجعله يعيد المحاولة نفسها:"هذه المرة سأنجح في جعل شخص غير متاح عاطفيًا يحبني."
لكن الحب الصحي لا يتطلب منك أن تخوض معركة يومية لإثبات حقك في الاحترام.
إذا وجدت نفسك تسأل باستمرار: “كيف أجعله يحبني؟”
فقد يكون السؤال الأكثر إنصافًا لك:"لماذا أحتاج إلى إقناعه بحقي في أن أُعامل بوضوح واهتمام واحترام؟"
٦- الاعتياد على القلق حتى يبدو مألوفًا
ليست كل الأشياء المألوفة آمنة، وليست كل الأشياء الآمنة مألوفة.
إذا اعتاد الإنسان منذ وقت مبكر أن يكون القرب مصحوبًا بالخوف أو التوتر أو عدم اليقين، فقد تبدو له العلاقات المضطربة مألوفة بصورة غريبة، وقد يخلط بين شدة القلق وشدة الحب.
ينتظر الرسالة، فيشعر بالتوتر.
تصل الرسالة، فيشعر براحة هائلة.
يبتعد الطرف الآخر، فينهار.
ثم يعود، فيشعر بالسعادة من جديد.
هذه التقلبات الحادة قد تجعل العلاقة تبدو قوية وعميقة، بينما يكون جزء كبير من شدتها ناتجًا عن الانتقال المستمر بين الخوف والطمأنينة.
أما العلاقة المستقرة فقد تبدو، في البداية، أقل إثارة؛ لأنها لا تضع الإنسان في حالة ترقب دائم. لكنها تمنحه شيئًا أكثر قيمة: السلام.
الحب الصحي لا يجعلك تقضي معظم وقتك في محاولة التأكد من أنك ما زلت محبوبًا.
لماذا يكون الانفصال صعبًا حتى عندما نعرف أن العلاقة تؤذينا؟
لأنك حين تنفصل لا تفقد الشخص وحده.
قد تفقد الروتين اليومي، والرسائل المعتادة، والذكريات، والخطط المستقبلية، والشعور بالانتماء، والصورة التي رسمتها لحياتك معه. وقد تضطر أيضًا إلى وداع النسخة التي كنت تتمنى أن تصبح عليها العلاقة.
أنت لا تحزن فقط على ما حدث، بل قد تحزن على ما انتظرته ولم يحدث.
لهذا يمكن أن تشعر بالحنين بعد مغادرة علاقة غير صحية. ويمكن أن تفتقد الشخص، وتبكي عليه، وتتمنى سماع صوته، مع أنك تعرف أن وجوده في حياتك لم يكن جيدًا لك، وهذا الحنين لا يعني بالضرورة أن قرار الابتعاد كان خطأ.
الاشتياق لا يساوي التوافق، والحب لا يثبت أن العلاقة آمنة.
يمكنك أن تحب شخصًا، وفي الوقت نفسه تدرك أنك لا تستطيع بناء حياة مستقرة معه، ويمكنك أن تضع حدًا للعلاقة، من دون أن يتحول حبك إلى كراهية.
كلا الأمرين يمكن أن يكون صحيحًا في الوقت نفسه.
هل أنا في علاقة مؤذية أم أننا نمر بمشكلات طبيعية؟
لا توجد علاقة بلا خلافات، لكن الفرق لا يكمن في وجود الخلاف وحده، بل في طريقة التعامل معه.
في العلاقة الصحية، يمكن للطرفين الاعتراف بالخطأ، والاستماع، وتحمل المسؤولية، واحترام الحدود، والعمل على تغيير السلوك.
أما في العلاقة المؤذية، فقد تتكرر الإهانة أو التهديد أو التجاهل العقابي أو السيطرة أو التقليل من المشاعر. وقد تجد نفسك تخشى التعبير، أو تمشي بحذر دائم حتى لا تغضب الطرف الآخر.
اسأل نفسك:
١- كيف أشعر معظم الوقت في هذه العلاقة: مطمئنًا أم مترقبًا؟
٢- هل أستطيع التعبير عن احتياجاتي من دون خوف أو سخرية؟
٣- هل يحترم الطرف الآخر كلمة "لا"؟
٤- هل أُلام دائمًا على كل مشكلة؟
٥- هل يعتذر ثم يكرر السلوك نفسه من دون تغيير حقيقي؟
٦- هل أشعر أنني أفقد ثقتي بنفسي تدريجيًا؟
٧- هل يحاول عزلي عن أصدقائي أو عائلتي؟
٨- هل يراقب هاتفي أو أموالي أو تحركاتي؟
٩- هل أشعر بالخوف من رد فعله إذا حاولت الابتعاد؟
لا يثبت موقف منفرد وحده أن العلاقة مؤذية، لكن النمط المتكرر يستحق أن يؤخذ بجدية.
كيف أبدأ كسر دائرة التعلق؟
١- راقب النمط، لا اللحظة المنفردة
لا تسأل نفسك فقط: “هل كان لطيفًا معي اليوم؟”
اسأل:"كيف يعاملني عادة؟ وكيف أشعر معظم الوقت؟"
اكتب الوقائع كما حدثت، لا كما تتمنى أن تتذكرها. دوّن المواقف المتكررة، والوعود، وما تغير فعلًا بعد كل اعتذار.
عندما تشتاق، قد يتذكر عقلك اللحظات الجميلة ويتجاهل بقية الصورة. وجود سجل واقعي يساعدك على رؤية العلاقة كاملة.
٢- افصل بين الأمل والدليل
الأمل شعور مهم، لكنه ليس دليلًا على أن العلاقة تتحسن.
اسأل نفسك:"ما الذي تغير في السلوك، وليس في الكلام؟"
الاعتذار الحقيقي لا يظهر في شدة الندم لحظة المصالحة فقط، بل في تحمّل المسؤولية، واحترام الحدود، واستمرار التغيير مع مرور الوقت.
لا تقِس التغيير بالأيام الجميلة القليلة بعد الأزمة، بل قِسه بالنمط الذي يتكون خلال مدة كافية.
٣- لا تجعل الخوف يتخذ القرار وحده
الخوف من الوحدة طبيعي، لكن الشعور بالخوف لا يعني أن العلاقة مناسبة، تمامًا كما أن الشعور بالحنين لا يعني أن العودة آمنة.
أحيانًا نحتاج إلى تحمّل ألم مؤقت حتى نخرج من نمط يسبب لنا ألمًا مستمرًا.
لن يكون الابتعاد مريحًا منذ اللحظة الأولى. قد تشعر بالفراغ والتردد والرغبة في العودة. تعامل مع هذه المشاعر بوصفها جزءًا من الفقد، لا بوصفها أمرًا يجب تنفيذه.
٤- ضع حدودًا واضحة وقابلة للتنفيذ
الحدود ليست عقابًا، ولا تهديدًا، ولا محاولة للسيطرة على الطرف الآخر. الحد قرار يوضح ما ستفعله أنت لحماية نفسك عندما يحدث سلوك معين.
مثلًا:"إذا تم التحدث إليّ بطريقة مهينة، فسأنهي الحوار، ولن أستكمله إلا عندما يصبح الحديث محترمًا."
أو: “لن أقبل تفتيش هاتفي أو التحكم في علاقاتي.”
الحد الذي لا يتبعه تصرف واضح قد يتحول إلى طلب متكرر يسهل تجاهله، لذلك اجعل حدودك واقعية، ولا تضع نتيجة لا تستطيع تنفيذها.
٥- قلل مصادر الاستثارة بعد الانفصال
إذا قررت الابتعاد، فقد تجعل متابعة الحسابات، وقراءة الرسائل القديمة، وانتظار ظهوره، وسؤال الأصدقاء عنه، عملية التعافي أكثر صعوبة.
قد يكون تقليل التواصل أو قطعه مناسبًا في بعض الحالات، ما دام ذلك آمنًا وممكنًا. أما إذا كانت بينكما مسؤوليات مشتركة، فيمكن جعل التواصل محددًا ومختصرًا ومقتصرًا على الضرورة.
الهدف ليس معاقبته، بل منح جهازك النفسي فرصة للخروج من حالة الانتظار المستمر.
٦- أعد بناء حياتك خارج العلاقة
لا يكفي أن تبتعد عن الشخص؛ من المهم أن تستعيد المساحات التي ابتلعتها العلاقة.
عد إلى أصدقائك، ونومك، وعملك، وهواياتك، وحركتك اليومية. ضع خططًا صغيرة قابلة للتنفيذ، حتى لو لم تكن لديك رغبة كبيرة في البداية، تذكر أن التعافي لا يبدأ دائمًا بمشاعر قوية، أحيانًا يبدأ بفعل بسيط يتكرر حتى تستعيد حياتك شكلها.
٧- اطلب الدعم ولا تعزل نفسك
تحدث إلى شخص تثق بحكمته، لا إلى شخص يضغط عليك أو يلومك، وقد تساعدك الاستعانة بمعالج نفسي على فهم أسباب التعلق، والتعامل مع الخوف من الهجر، واستعادة الثقة بالنفس، وبناء علاقات أكثر أمانًا.
طلب المساعدة لا يعني أنك عاجز عن اتخاذ القرار، قد يعني فقط أن هذه التجربة أثقل من أن تحملها وحدك.
أسئلة شائعة يطرحها من يعيش علاقة مؤذية
١- هل تعلقي به يعني أنني أحبه حبًا حقيقيًا؟
قد يكون هناك حب حقيقي، لكن الحب يمكن أن يختلط بالخوف والاعتياد والاحتياج والأمل. وجود الحب لا يكفي وحده للحكم على صلاحية العلاقة.
السؤال ليس فقط: “هل أحبه؟”
بل أيضًا: “ماذا يفعل هذا الحب بصحتي وكرامتي وأماني النفسي؟”
٢- لماذا أشتاق إليه بعد كل ما فعله؟
لأنك لا تشتاق بالضرورة إلى الأذى. قد تشتاق إلى لحظات القرب، أو إلى الشخص الذي كان عليه في البداية، أو إلى الشعور الذي منحك إياه أحيانًا، أو إلى المستقبل الذي تخيلته معه.
الاشتياق استجابة للفقد، وليس شهادة بأن العلاقة كانت صحية.
٣- هل أنا أبالغ أم أن العلاقة مؤذية فعلًا؟
بدلًا من تقييم موقف واحد، انظر إلى النمط المتكرر وتأثيره فيك، إذا كنت تشعر بالخوف، أو تفقد ثقتك بنفسك، أو تُهان، أو تُهدد، أو تُراقب، أو تُعزل، أو تضطر إلى تغيير سلوكك باستمرار تجنبًا لرد فعل الطرف الآخر، فلا ينبغي التقليل من ذلك.
٤- هل يمكن أن يتغير؟
نعم، يمكن للناس أن يتغيروا، لكن التغيير لا يُقاس بالوعود والاعتذارات وحدها.
يظهر التغيير الحقيقي عندما يعترف الشخص بسلوكه من دون لومك، ويتقبل نتائج أفعاله، ويحترم حدودك، ويطلب المساعدة عند الحاجة، ويحافظ على سلوك مختلف بصورة ثابتة مع مرور الوقت، أما تكرار الدورة نفسها، ثم الاعتذار عند شعوره بأنك ستغادر، فليس دليلًا كافيًا على التغيير.
٥- هل أساعده وأبقى إلى جواره حتى يتعافى؟
يمكنك التعاطف مع معاناته، لكنك لست مسؤولًا عن علاجه على حساب سلامتك.
الظروف النفسية أو الأسرية أو المادية قد تفسر بعض السلوك، لكنها لا تبرر الإهانة أو التهديد أو السيطرة أو العنف.
٦- لماذا أعود إليه بعد أن أقرر الرحيل؟
قد تعود بسبب الحنين أو الخوف أو الوحدة أو الشعور بالذنب، أو لأن الطرف الآخر يعود باهتمام شديد ووعود جديدة. وقد تكون العودة محاولة سريعة لإنهاء ألم الانفصال.
إذا عدت، فلا تستخدم ذلك دليلًا على ضعفك أو فشلك. حاول أن تفهم ما الذي دفعك إلى العودة، وابنِ دعمًا أقوى حول تلك النقطة تحديدًا.
٧- هل قطع التواصل تصرف قاسٍ؟
ليس بالضرورة. إذا كان التواصل يعيدك إلى دائرة تؤذيك، فقد يكون تقليله أو قطعه وسيلة لحماية نفسك، لا عقابًا للطرف الآخر.
لكن إذا كان الشخص يهددك أو يراقبك أو قد يصبح أكثر عنفًا عند شعوره بأنك تبتعد، فلا تتخذ خطوات مفاجئة من دون خطة أمان ودعم مناسب.
٨- هل أحتاج إلى مقابلة أخيرة حتى أحصل على تفسير؟
أحيانًا نتصور أن حديثًا أخيرًا سيمنحنا الإجابة التي نفتقدها. لكنه قد يعيد فتح الدائرة نفسها، خصوصًا إذا جرت أحاديث كثيرة من قبل ولم يتغير شيء. قد لا يأتي الإغلاق النفسي دائمًا من الطرف الآخر. أحيانًا نصنعه نحن عندما نتوقف عن انتظار إجابة مختلفة عن الإجابات التي قدمها السلوك مرارًا.
٩- هل أنا السبب في معاملته لي بهذه الطريقة؟
قد تكون لديك أخطاء مثل أي إنسان، لكن أخطاءك لا تمنح أحدًا الحق في إهانتك أو تهديدك أو السيطرة عليك أو إيذائك.
يمكنك تحمل مسؤولية سلوكك من دون أن تحمل مسؤولية إساءة شخص آخر.
١٠- هل ما أشعر به يسمى "رابطة الصدمة"؟
ليس كل تعلق مؤلم رابطة صدمة. يُستخدم هذا التعبير عادة لوصف ارتباط يتكون داخل علاقة تتضمن إساءة أو خوفًا أو اختلالًا في القوة، تتخللهما فترات من الهدوء أو المصالحة.
لذلك لا ينبغي استخدام المصطلح لتشخيص كل علاقة متذبذبة. الأهم من الاسم هو تقييم السلوك، ومدى وجود الخوف والسيطرة والإساءة، وتأثير العلاقة في سلامتك.
١١- كم يستغرق التعافي؟
لا توجد مدة واحدة تنطبق على الجميع. تتأثر المدة بطول العلاقة، وشدة التعلق، وطبيعة الإساءة، والدعم المتاح، ووجود تواصل مستمر أو مسؤوليات مشتركة.
قد تمر أيام تشعر فيها بالقوة، ثم يعود الحزن فجأة. هذا لا يعني أنك عدت إلى البداية. التعافي ليس خطًا مستقيمًا.
١٢- متى أحتاج إلى مختص نفسي؟
اطلب مساعدة متخصصة إذا أصبحت العلاقة أو آثارها تعطل نومك أو عملك أو دراستك، أو إذا شعرت بقلق شديد أو اكتئاب أو فقدان للقيمة، أو وجدت نفسك عاجزًا عن كسر الدائرة رغم محاولاتك، واطلب مساعدة عاجلة إذا راودتك أفكار بإيذاء نفسك أو شعرت بأنك في خطر مباشر.
إذا كانت العلاقة تتضمن عنفًا جسديًا أو جنسيًا، أو تهديدًا، أو ابتزازًا، أو ملاحقة، أو سيطرة شديدة، أو منعًا من المال والعائلة والعمل، فالأولوية ليست مواجهة الطرف الآخر أو إقناعه، بل حماية نفسك.
قد يصبح وقت الانفصال أكثر حساسية في بعض العلاقات المسيئة، لذلك من الأفضل إعداد خطة أمان تناسب ظروفك، والتواصل مع شخص موثوق أو جهة دعم محلية أو مختص مؤهل.
في النهاية
التعلق بشخص يؤذينا لا يعني أننا ضعفاء، ولا أننا لا نعرف مصلحتنا. أحيانًا تكون وراء هذا التعلق احتياجات عاطفية قديمة، أو خوف من الهجر، أو اعتياد على القلق، أو أمل في استعادة شخص لم يعد موجودًا بالطريقة نفسها.
لكن فهم أسباب تعلقنا لا يعني تبرير الأذى.
يمكنك أن تفهم لماذا بقيت، من دون أن تلوم نفسك.
ويمكنك أن تشتاق، من دون أن تعود.
ويمكنك أن تحب شخصًا، ثم تعترف بأن الحب وحده لا يصنع علاقة آمنة.
وقد لا تكون بداية التعافي أن تتوقف عن حبه فورًا، بل أن تبدأ في حب نفسك بما يكفي حتى لا تجعل حبك له سببًا للتخلي عن احتياجاتك وحدودك وكرامتك وأمانك النفسي.