في هذا المقال
ظاهرة العصر الجديد بين الأمهات المضغوطات: تحليل نفسي لثلاثة مخاوف تبحث عن إجابة

لماذا تبحث الأم المرهقة عن إجابات روحية؟
هل لاحظتِ انتشار مقاطع تتحدث عن الطاقة الكونية، والصحوة الروحية، وتناسخ الأرواح، وأن الإنسان يستطيع تغيير واقعه بمجرد تغيير وعيه؟ قد تبدو هذه الأفكار جذابة بصورة خاصة للإنسان الذي يعيش تحت ضغط مستمر، ومن بينه الأم التي تحاول التوفيق بين مسؤوليات المنزل والأطفال واحتياجاتها الشخصية.
فعندما تشعر الأم بالإرهاق أو الوحدة أو فقدان السيطرة على حياتها، قد تبحث عن تفسير يطمئنها، أو رسالة تمنحها الأمل، أو طريقة تساعدها على فهم المعاناة.
وهنا تظهر أهمية تحليل ظاهرة «العصر الجديد» من منظور نفسي؛ ليس للحكم على الأشخاص الذين يهتمون بالروحانيات، بل لفهم الاحتياجات الإنسانية التي قد تجعل بعض هذه الأفكار مؤثرة وجذابة.
فما المخاوف الثلاثة التي تحاول بعض هذه الأفكار الإجابة عنها؟ وهل يمكن الحصول على الطمأنينة دون الخلط بين المعتقدات الروحانية والحقائق العلمية؟
أولًا: ما ظاهرة العصر الجديد؟
يُستخدم مصطلح العصر الجديد (New Age) لوصف مجموعة متنوعة من المعتقدات والممارسات الروحانية التي تشمل بعض اتجاهاتها التأمل، والوعي الذاتي، والطاقة الروحانية، والتناسخ، وفكرة الصحوة الجماعية.
ولا يمثل العصر الجديد عقيدة واحدة متفقًا عليها؛ إذ تختلف الأفكار والممارسات بين أتباعه، كما أن الاهتمام بالتأمل أو البحث عن السلام الداخلي لا يعني بالضرورة تبني جميع معتقداته.
وقد تناول مركز بيو للأبحاث هذه الظاهرة في تقريره الصادر عام 2023 بعنوان Spirituality Among Americans، الذي استند إلى استطلاع شمل 11,201 شخص بالغ في الولايات المتحدة. وأفاد التقرير بأن 70% من المشاركين وصفوا أنفسهم بأنهم روحانيون بدرجة ما، أو قالوا إن الروحانية مهمة جدًا في حياتهم.
لكن هذه النتائج تصف المجتمع الأمريكي، ولا تثبت أن الظاهرة تنتشر بالمعدل نفسه بين الأمهات في مصر أو في المجتمعات العربية.
ومن المهم أيضًا أن نفهم أن انتشار فكرة ما لا يثبت صحتها، لكنه قد يساعدنا على دراسة أسباب انجذاب الناس إليها.
ثانيًا: الخوف الأول — هل يخاف الإنسان من الموت والنهاية؟
من الأسئلة العميقة التي تشغل الإنسان: ماذا يحدث بعد الموت؟ وهل تنتهي الحياة عند حدود التجربة التي نعرفها؟
تقدم بعض اتجاهات العصر الجديد تصورات عن تناسخ الأرواح، أو العودة إلى الحياة في أجساد مختلفة، أو الانتقال إلى مستوى آخر من الوعي. وقد يجد بعض الأشخاص في هذه التصورات إجابات تمنحهم شعورًا بالراحة.
ومن الناحية النفسية، يمكن أن يساعد وجود معنى للحياة الإنسان على التعامل مع عدم اليقين، لكن لا يصح افتراض أن كل من يهتم بهذه الأفكار يخاف من الموت، أو أن هذا هو السبب الوحيد وراء اهتمامه بها.
كيف يرتبط ذلك بالأم المضغوطة؟
قد تفكر الأم التي تعاني من ضغوط متواصلة في مستقبل أطفالها، أو تخشى فقدان أحد أحبائها، أو تشعر بأن السنوات تمر بسرعة دون أن تحقق ما تتمناه لنفسها.
وقد يدفعها ذلك إلى البحث عن محتوى يقدم إجابات مطمئنة عن الحياة والموت والمعنى.
لكن الطمأنينة لا تتطلب بالضرورة تبني اعتقاد معين؛ فقد تجد الأم الدعم في علاقتها بالله وفق معتقدها الديني، أو في العلاقات الأسرية، أو في فهم مشاعرها، أو في الاستعانة بمتخصص عندما يصبح القلق مؤثرًا في حياتها.
والأهم هو التمييز بين الإيمان الشخصي الذي يحترمه صاحبه، وبين الادعاء بأن التناسخ حقيقة علمية مثبتة، وهو ما لا تتوافر عليه أدلة علمية حاسمة.
ثالثًا: الخوف الثاني — لماذا ينتشر البحث عن تفسير للظلم والمعاناة؟
قد تمر الأم بتجارب تشعر فيها بأنها تتحمل مسؤوليات أكبر من قدرتها، أو أنها لا تحصل على التقدير الذي تستحقه، أو أن الآخرين يحمّلونها اللوم رغم محاولاتها المستمرة.
وفي هذه الظروف، قد تجذبها أفكار تقول إن كل ما يحدث هو درس روحي، أو إن الظالم لم يصل بعد إلى مرحلة الوعي، أو إن العدالة ستتحقق تلقائيًا في مرحلة أخرى من الوجود.
يمكن لهذه التفسيرات أن تمنح بعض الأشخاص إحساسًا مؤقتًا بالمعنى، لكنها قد تصبح مؤذية إذا دفعت الإنسان إلى قبول الإساءة أو تأجيل المطالبة بحقوقه أو لوم نفسه على ما تعرض له.
ما البديل النفسي الأكثر واقعية؟
من المهم أن تفرق الأم بين ما تستطيع تغييره وما يقع خارج سيطرتها.
فإذا كانت تعاني من غياب الدعم، يمكنها مناقشة توزيع المسؤوليات مع الأسرة. وإذا كانت تتعرض للإهانة أو الإساءة، فمن حقها طلب المساندة والحماية المناسبة. وإذا كانت تشعر بالإنهاك، فمن حقها الراحة دون أن تعتبر ذلك فشلًا في الأمومة.
ليس كل ألم درسًا اختار الإنسان أن يتعلمه، وليس كل ظلم نتيجة أفكاره أو مشاعره.
والتعامل الصحي مع المعاناة يبدأ بالاعتراف بها، ثم البحث عن خطوات عملية تحمي الإنسان وتساعده على استعادة قدرته على الاختيار.
رابعًا: الخوف الثالث — لماذا يشعر بعض الناس بأنهم متعبون من الواقع؟
قد تكون هذه الفكرة شديدة القرب من الأم التي تستيقظ يوميًا لتبدأ سلسلة طويلة من المهام، بين رعاية الأطفال، والعمل، ومسؤوليات المنزل، والقلق على المستقبل.
وعندما لا تجد وقتًا لنفسها، قد تشعر بأنها فقدت هويتها خارج دور الأمومة، أو أن حياتها أصبحت مجرد واجبات متكررة.
في هذا السياق، قد تجذبها رسائل العصر الجديد التي تقول إنها مختلفة عن الآخرين، أو إنها أكثر وعيًا من العالم المحيط بها، أو إن تغيير طاقتها الداخلية سيغير كل ظروف حياتها.
وقد تمنح هذه الرسائل شعورًا بالأمل، لكن الخطر يظهر عندما تتحول إلى تفسير وحيد لكل المشكلات، أو توحي للأم بأن استمرار معاناتها دليل على أنها لم تصل إلى مستوى الوعي المطلوب.
ما الذي تحتاج إليه الأم فعلًا؟
قد تحتاج إلى وقت منتظم للراحة، ومساندة من المحيطين بها، وتقليل الأعباء غير الضرورية، وإعادة تنظيم أولوياتها، وإتاحة مساحة لهواياتها وعلاقاتها واحتياجاتها الشخصية.
ويمكن أن يساعد التأمل أو التنفس الهادئ بعض الأشخاص على إدارة التوتر، لكنهما لا يحلان بمفردهما المشكلات المادية أو الأسرية أو الصحية.
وتشير مواد المركز الوطني للصحة التكميلية والتكاملية في الولايات المتحدة، بعنوان Meditation and Mindfulness: Effectiveness and Safety، إلى أن بعض أساليب التأمل واليقظة الذهنية قد تساعد في التعامل مع القلق والاكتئاب، مع اختلاف النتائج بحسب نوع الممارسة والدراسة.
وهذا لا يعني أن كل ما يُسوّق تحت اسم الطاقة الكونية مثبت علميًا، بل يعني أن كل ممارسة ينبغي تقييمها وفق الأدلة الخاصة بها.
خامسًا: كيف تحمي الأم صحتها النفسية من الوعود الروحانية المضللة؟
يمكن للأم أن تبحث عن السلام الداخلي وتحترم معتقداتها، وفي الوقت نفسه تحافظ على التفكير النقدي. ولتحقيق ذلك، يمكنها اتباع خمس خطوات:
- اسألي عن الدليل: هل المحتوى يقدم دراسة موثوقة أم مجرد تجربة شخصية؟
- لا تحمّلي نفسك مسؤولية كل شيء: أفكارك تؤثر في قراراتك، لكنها لا تتحكم وحدها في جميع الأحداث.
- استفيدي من الممارسات المناسبة لكِ: مثل التأمل الهادئ أو تدوين المشاعر أو ممارسة نشاط محبب، إذا كانت تساعدك.
- احذري الوعود المطلقة: لا تثقي بمن يضمن الشفاء أو الثراء أو تغيير المستقبل مقابل المال أو باتباع طقوس محددة.
- اطلبي المساعدة عند الحاجة: إذا استمر الحزن أو القلق أو الإرهاق وأثر في نومك أو علاقاتك أو قدرتك على أداء مهامك، فقد يكون من المفيد التواصل مع أخصائي نفسي مؤهل.
ولا يعني طلب المساعدة ضعف الإيمان أو نقص الوعي؛ بل هو خطوة مسؤولة للاهتمام بالصحة النفسية.
الخاتمة: الطمأنينة لا تحتاج إلى الهروب من الواقع
قد تكشف ظاهرة العصر الجديد عن احتياجات إنسانية عميقة: الخوف من الموت، والبحث عن العدالة، والرغبة في التحرر من التعب والضغوط.
وقد يجد بعض الأشخاص في الممارسات الروحانية مساحة للتأمل والأمل، لكن من الضروري التمييز بين المعتقدات الشخصية والادعاءات التي تحتاج إلى أدلة علمية.
وبالنسبة إلى الأم التي تشعر بأنها تحمل العالم فوق كتفيها، فإن الحل لا يكمن في إقناعها بأنها مسؤولة عن كل ما يحدث بسبب طاقتها أو مستوى وعيها، بل في مساعدتها على فهم مشاعرها، والحصول على الدعم، ووضع حدود صحية، والاهتمام بنفسها دون شعور بالذنب.
فأنتِ لا تحتاجين إلى أن تكوني مثالية أو هادئة طوال الوقت حتى تستحقي الراحة. ومن حقك أن تتعبي، وأن تطلبي المساعدة، وأن تبحثي عن حياة أكثر توازنًا.
تنويه: هذا المقال للتوعية النفسية والثقافية، ولا يمثل تشخيصًا نفسيًا أو بديلًا عن الاستشارة المتخصصة.
المصادر والمراجع الموثوقة
- مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) — تقرير Spirituality Among Americans، ديسمبر 2023. يتناول المعتقدات الروحانية لدى البالغين في الولايات المتحدة.
- مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) — تقرير Measuring Spirituality، ديسمبر 2023. يناقش تعريف الروحانية وكيفية قياسها في الاستطلاعات.
- المركز الوطني للصحة التكميلية والتكاملية (National Center for Complementary and Integrative Health – NCCIH) — تقرير Meditation and Mindfulness: Effectiveness and Safety. يستعرض الأدلة المتعلقة بفاعلية التأمل واليقظة الذهنية وسلامتهما.
- منظمة الصحة العالمية (World Health Organization – WHO) — صفحة Mental Health. تقدم معلومات أساسية عن الصحة النفسية وأهميتها في الحياة اليومية.
تابع جديد Hajar
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق