لما تضيع ملامحك في زحمة وشوش الناس

لما تضيع ملامحك في زحمة وشوش الناس

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

لماذا اضطروا الى ارتداء مئات الاوجه يوميا………؟

سؤال يتطرق إليه أغلبنا في يومه، وفي هذا المقال نناقش أهم الأسباب التي تجعل عقلنا اللاواعي يتطرق إلى هذا الفعل كنوع من تحصين الذات بغريزة الحماية، وأن ارتداء هذه الأوجه هو نوع من أنواع العزلة حتى وإن كان في ظاهره على النقيض معها.

image about لما تضيع ملامحك في زحمة وشوش الناس

 

1_المنشأ.. ….

الحكاية كلها بتبدأ من البيت، من المكان اللي المفروض يطلعك قوي وسوي. التناقض المرعب هنا إن الأهل أحياناً بيمارسوا عليك عمليه قتل للشخصيه منظمة؛ بيبقوا عايزينك منعدم الشخصية تماماً قدامهم، مالكش رأي ولا كلمة ولا قرار، بيفصلوا لك حياتك، ولبسك، ودراستك على مقاسهم، وبيمشوا سفينتك بالريموت كنترول بتاعهم. الصدمة الكبيرة بقى، إن نفس هؤلاء الأهل بيبقوا مستنيين من نفس الولد ده إنه يتحول فجأة لشخص صاحب كينونة وهيبة وشخصية قوية قدام القرايب والناس، لمجرد إنهم عايزين يتباهوا بيه ويفردوا بيه ضلعه ف التجمعا العائلي  ! ده انفصام وتربية مشوهة بتخلق إنسان مكسور. شاب في منتدى دعم نفسي كان كاتب سطر يوجع قوي: "أمي بتختار لي لون قميصي، وتضربني لو عارضتها، وبعدها بنص ساعة في العزومة تقولي اتكلم بثقة قدام أعمامك عشان ما يبقاش شكلك مهزأ" والنتيجة الحتمية للضغط ده، إن الشاب لما بيكبر ويضطر ياخد قرار مصيري زي اختيار الصحاب -وهي أقرب العلاقات اللي بيبان فيها انعدام الشخصية- بيقع في فخ الاختيار الخاطئ بنسبة مليون في المية؛ لأنه ببساطة بيروح يختار صحاب "متحكمين ومتسلطين" بيشبهوا أهله في السيطرة، فيتحول لشخص منقاد ومسير بشكل أكبر. بس المفارقة المضحكة المبكية هنا، إن الشاب ده بيبقى شايف إن الميزة الوحيدة في السجن الجديد ده إنه منعدم الشخصية بمزاجه هو! يلبس وشوش وأقنعة مع أصحابه بمزاجه مش بمزاج أهله، فيتوهم للحظة إنه داق طعم الحرية، وهو في الحقيقة ما عملش حاجة غير إنه نقل نفسه من زنزانة لزنزانة تانية، وضلوع السجن لسه خانقة روحه.

2_مصير.. 

بمرور السنين والأيام، بتكبر كُرة الثلج وبيتحول الطفل ده لشاب معطل تماماً، ملوش حلم خاص بيه، وعاجز عن اتخاذ أي قرار في حياته. الشاب ده بيفوق في يوم من الأيام يجد نفسه عايش في دوامة مرعبة من "مئات الوجوه"؛ يلبس وش مع أهله يمثل فيه الطاعة العمياء، ويلبس وش مع كل واحد من أصحابه عشان يرضيه ويجاريه، لدرجة إنه في النهاية بيكتشف إن أكتر وش بيلبسه في يومه، والوش اللي لزق في جلده وبقى الوش الافتراضي بتاعه، هو "وش انعدام الشخصية" والاستسلام لأي حد يقوده. والمأساة الأكبر بتبان لما يوصل لمحطات الحياة المصيرية؛ تلاقي أهله هم اللي بيختاروا له "الزواج المناسب" من وجهة نظرهم هم، فبيتجوز واحدة ما اختارهاش بقلبه، لمجرد إنهم أقنعوه-او جبروه بمعنى اصح.  إن ده الصح. وحتى في شغله، تلاقيه شخص منقاد وضايع؛ ممكن يكون شاطر جداً وعنده موهبة توديه في حتة تانية خالص، بس أهله هم اللي اختاروا له الكلية والمكان ده، وهو ما اختارش حاجة بإرادته. بيصحى الصبح يلاقي نفسه لابس وش الموظف الرمادي اللي بيسمع الكلام وبس، والناس حواليه بتبص له نظرة شفقة أو استهزاء، لأنه ببساطة شاب بلا طعم ولا لون، ريشة في مهب ريح قرارات الآخرين، عايش سجين جوه حيطان رسمها له غيره، والوشوش الكتير اللي بيلبسه كل يوم ما هي إلا محاولة بائسة عشان يخبي وراها جثة حلمه اللي مات قبل ما يتولد.

3_التوريث….

.المأساة الحقيقية مش بتقف عند حدود الشاب ده وبس، دي بتتمد عشان تاكل الأخضر واليابس في مستقبله. بعد ما أهله يسيبوا حبل السيطرة والقيادة بتاعته لسبب أو لآخر، بتستلم منه الزوجة اللي اختاروها له نفس الحبل، فيتحول من شخص.  موجه من اهله الى شخص موجه من مراته! بيعيش في بيته الجديد منعدم الشخصية، بلا أحلام ولا شغف، ساكت طول الوقت، وكاتم في نفسه كآبة ملوش طاقة بيها. ويفضل مستسلم لحد ما يوصل لسن الخمسين أو الستين، وفجأة يفوق على عمره وشبابه اللي ضاعوا في لبس الوشوش، فيحصل له "انفجار متأخر" ويشز عن قواعد أهله والمجتمع، ويبدأ يغلط غلطات مراهقة عمره ما تخيل إنه يقع فيها، كأنه بيحاول يعوض اللي فاته بس بطريقة مدمرة. والنتيجة الطبيعية للخراب ده هي "بيت متفكك أسرياً"؛ أطفال طالعين شايفين أبوهم كأنه "كنبة" في البيت، مالوش رأي ولا كينونة ولا كلمة، ومامتهم هي اللي بتمشي وتتحكم في كل حاجة، فبيفقدوا احترامه وتقديره. وفي أغلب الحالات، المركب دي بتغرق وبيحصل الطلاق، وتبدأ المناوشات والمحاكم، والضحية هم الأطفال اللي بيطلعوا ضايعين، ومنعدمي الشخصية زي أبوهم، أو بيتحولوا لأشخاص عندهم أمراض نفسية ومعقدين، وربما مجرمين وأفراد بلا قيمة ومخربين في المجتمع. وحتى في كواليس شغله، الأيام بتهده تماماً وبيتحول لمجرد جثة بتتحرك؛ لأن المكان ده عمره ما كان حلمه، فبيعاني من انعدام الشغف، وبيبقى موظف غير فعال ومطفي، مستني نهاية الخدمة عشان يخلص من قرف الوشوش اللي خنقته وضيعت نسله من بعده.

4_خلاصة.. 

لو فكرنا نجمع خيوط المأساة دي ونشوف الخلاصة اللي بتوصلنا ليها الآراء السابقة، هنكتشف حقيقة مرعبة: انعدام الشخصية مش مجرد صفة عابرة، ده "سرطان نفسي" بيبدأ بـ (انفصام تربوي) جوه البيت؛ لما الأهل يطالبوك بالخضوع ليهم التام وفي نفس الوقت تتقمص دور البطل قدام الغرب عشان صورتهم هما، فتقع في أول فخ وتختار صحاب يسوقوك بمزاجك عشان توهم نفسك بالحرية. الرأي الصادم التاني هو (الوش الافتراضي)؛ إنك من كتر لبس الأقنعة بتصحى تلاقي وش الانقياد لزق في جلدك، وبتفقد السيطرة على أهم محطاتك زي جوازك وشغلك. والرأي التالت والأخطر هو (لعنة التوريث والأزمات المؤجلة)؛ إن السكوت ده مش بيمر بسلام، ده بيتحول لـ "انفجار مراهقة متأخر" على عتبة الخمسين، والأقسى من كده إنك بتورث نفس المسخ والضياع لعيالك، فبتطلع جيل مهزوز بيشوف الأب مجرد كومبارس ملوش كلمة، لتنتهي القصة ببيت مهدود وأطفال معقدين نفسياً بيدفعوا تمن أقنعة مالهمش ذنب فيها

5_شهادات.. 

عشان نعرف إن الموضوع مش مجرد كلام إنشائي، لو لفيت لفة على يوتيوب في فيديوهات الدكاترة النفسيين، هتلاقي "بروفيسور" مشهور بيتكلم عن مفهوم (الذات الزائفة) وبيقول جملة صايعة جداً: "لما الأهل بيلغوا رغبات الطفل، اللاوعي عنده بيبني شخصية كرتونية بره عشان ترضي الناس وتحميه، بينما شخصيته الحقيقية بتدخل في غيبوبة". وعلى فيسبوك، في جروب طبي معروف، كتب استشاري نفسي بوست حذر فيه من خطورة الانتقال من (تسلط الآباء لتسلط الأصدقاء والزوجة)، ووصف الحالة دي بـ "إدمان التبعية"، وقال إن الشخص ده بيبقى زي المريض اللي متعود على العكاز، لو شلته منه يدور على أي عكاز تاني حتى لو كان مكسور وبيجرحه. وبتشوف في التعليقات مئات الشباب بيبصموا بالعشرة على الكلام ده، واحد كاتب: "أنا دكتور مهندس والناس شايفاني ناجح، بس أنا حاسس إني مجرد دمية أهلي حركوها في اتجاه كليتهم وصداقاتهم، ولما اتجوزت بقيت بنفذ أوامر مراتي بالحرف لأني ببساطة ما اتعلمتش يعني إيه يكون ليا رأي". الكلام ده بيثبت إن مئات الوجوه اللي بنلبسها مش شطارة، دي "حيلة دفاعية مريضة" أجمع الأطباء والضحايا على إنها بتنتهي بانسحاق كامل للهوية لو البني آدم ما فاقش لنفسه

6_أرقام.. 

لو سبنا كواليس العيادات النفسية ودخلنا ممرات محاكم الأسرة، هنلاقي كلام تاني خالص بيصدمنا بلغة الأرقام الصادمة. الإحصائيات الرسمية بتقول إن حالات الطلاق السنوية في مصر مثلاً وصلت لقرابة 273 ألف حالة، يعني غالباً وبحسبة بسيطة في حوالي 31 حالة طلاق بتحصل كل ساعة! ولما تفتش ورا قضايا النفقة والخلع والطلاق للضرر، بتلاقي إن نسبة كبيرة جداً منها سببها الخفي هو انعدام شخصية الزوج وسقوطه وراء تحكم أهله، أو عجزه عن إدارة بيته. الفاتورة الأقسى والألعن للخراب ده بيدفعها الأطفال؛ تشير التقارير التقديرية لمحاكم الأسرة ودراسات التفكك الاجتماعي إن ما يقارب 55% من أولاد المطلقين بتسوء أحوالهم المعيشية تماماً، والأخطر من ده إن أرقام المراكز البحثية بتأكد إن حوالي 66% من أطفال الطلاق والتفكك الأسري بيعانوا من حالات وأمراض نفسية وعقد مزمنة بسبب صراعات الأهل. الأطفال دول غالباً بيتحولوا لأشخاص منعدمي الشخصية، تائهين في المجتمع، ونسبة مش قليلة منهم للأسف بيحصل لهم تسرب من التعليم، وبيتجهوا للانحراف أو بيعيشوا في الشوارع كضحايا لـ "أب" اتمسخ رأيه وضاع شغفه، فطلع جيل مشوه ملوش أي قيمة، شايل عقد نفسية هيورثها للي بعده لو فضلنا نلبس وشوش ونخاف من المواجهة

7_انتفاضة..

 وصلنا للمحطة الأخيرة، وهنا وجب علينا ننفض التراب عن عيوننا ونكشف الحقيقة كاملة عشان نغير الواقع المر ده. فبصفتي مريض لداء تعدد الاوجه، بوجه رسالة حاسمة لكل أب وأم: أولادكم مش ممتلكات خاصة ولا كروت بتلعبوا بيها قدام القرايب، وجب عليكم تدوا طفلكم مساحة يغلط ويختار ويقول "لأ"، عشان لما يكبر ما يبقاش دمية في إيد أي حد؛ علّموه الثقة والكينونة جوه البيت عشان يقدر يواجه العالم بره. أما رسالتي للشباب اللي اتسحقت شخصيتهم وبقوا عايشين بمئات الوجوه ومش عارفين يغيروا: انتفضوا واخلعوا الأقنعة دي تدريجياً، واعرفوا إن مواجهة نقد الناس أرحم بمليون مرة من إنك تعيش كومبارس في فيلم حياتك؛ اتعلموا تحطوا حدود نفسية وتقولوا "لأ" لما مصلحتكم ونفسيتكم تطلب ده. والأهم من ده كله، لازم نرجع للتمسك بالميثاق الغليظ، ميثاق الزواج اللي ربنا سماه باسم عظيم، وجب على كل زوج وزوجة يصبروا ويتحملوا ويحلوا مشاكلهم بحكمة وتفاهم، حتى لو حصل إيه؛ عشان الأطفال وعشان الدين وعشان ما نطلعش للمجتمع أجيال مشوهة وضايعة تدفع تمن أنانية الكبار. البيوت بتبنيها الأصول والمسؤولية، والانتفاضة الحقيقية بتبدأ لما كل واحد فينا يعرف دوره ويقرر يحمي جيل المستقبل من لعنة انعدام الشخصية والتفكك

…..وشكرآ 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمد عبدالرؤف تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-