ما الذي يدفع إنسانًا لإنهاء حياته؟ رحلة من الحكم للفهم غيّرت نظرتي

ما الذي يدفع إنسانًا لإنهاء حياته؟ رحلة من الحكم للفهم غيّرت نظرتي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

ما الذي يدفع إنسانًا لإنهاء حياته؟ رحلة من الحكم للفهم غيّرت نظرتي

 

 

image about ما الذي يدفع إنسانًا لإنهاء حياته؟ رحلة من الحكم للفهم غيّرت نظرتي

السؤال الحائر والحكم المتسرع

ما الذي قد يدفع إنسانًا بكامل وعيه إلى إنهاء حياته بيده، ولماذا أصبحت هذه الفكرة المظلمة تتسلل إلى عقول شباب عصرنا بهذه السهولة والسرعة؟ هذا السؤال الصادم ظل يرن في ذهني طويلاً، ويشغل مساحة كبيرة من تفكيري وتأملاتي اليومية في الطبيعة البشرية. في البداية، كانت إجابتي عن هذا السلوك المعقد ساذجة وبسيطة للغاية؛ كنت أحكم على الأمور من بعيد كباقي البشر، وأقول في نفسي إن من يقدم على هذا الفعل هو بالتأكيد شخص ضعيف الإيمان، أناني، ولا يفكر مطلقاً بمشاعر من يحبونه ويعيشون لأجله. كنت أرى المشهد المأساوي من الخارج فقط، دون أن أحاول إدراك حجم العاصفة النفسية المدمرة التي تدور داخل إنسان انهارت قواه تماماً ولم يعد قادراً على الصمود أو المقاومة.

الحقيقة الصادمة تحت مجهر الطب

لكن دراستي الأكاديمية المتعمقة في كلية الطب فتحت عيني على حقيقة علمية وإنسانية مختلفة تمامًا، وأدركت من خلالها أن فكرة الانتحار لا تولد في لحظة عابرة أو فجائية؛ فلا أحد يستيقظ من نومه فجأة ليقرر الموت دون مقدمات مريرة تسبق ذلك. غالباً ما تبدأ الحكاية بأثقال وهموم خفية تتراكم تدريجياً فوق كاهل المرء، مثل الضغط الخانق والمستمر من الأهل، قسوة المناهج والدراسة، أو ظلم وصعوبات بيئات العمل الطاردة. ثم يأتي بعد ذلك الخذلان العاطفي والاجتماعي القاتل، حين يكتشف الإنسان فجأة أن أقرب الناس إليه لم يعودوا قادرين على فهم صمته الطويل، أو احتواء انهياره الداخلي وصيحات استغاثته الصامتة التي لا يسمعها أحد.

الدخول في نفق فقدان الأمل المظلم

ومع مرور الوقت وتوالي الصدمات، يتحول التعب الجسدي العادي إلى إنهاك نفسي مفرط ومزمن، وتصبح مواجهة تفاصيل يوم عادي وبسيط مهمة مستحيلة تتطلب طاقة جبارة تفوق قدرة الشخص الاحتمالية. وهنا تحديداً يدخل الإنسان في أخطر المراحل النفسية على الإطلاق، وهي مرحلة فقدان الأمل التام في الشفاء، أو التغيير، أو العثور على مخرج. في هذه المرحلة السوداوية، يبدأ الإنسان في رؤية نفسه كسبب لكل المشكلات وعبء ثقيل على الآخرين، ويصدق عقله تماماً أن غيابه واختفاءه التام سيجعل حياة من حوله أخف وأسهل بكثير؛ وهذا الاعتقاد المأساوي، رغم قسوته وسوداويته الشديدة، يكون دائماً بعيدًا كل البعد عن الحقيقة والواقع.

الفضاء الرقمي وتضخيم مشاعر اليأس

لكن يبقى السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا انتشرت هذه الأفكار الانتحارية والسوداوية الآن في عصرنا الحالي أكثر من أي وقت مضى؟ الإجابة الواضحة تكمن في تغلغل تكنولوجيا الإنترنت وعوالم السوشيال ميديا في تفاصيل حياتنا، فهو بلا شك سلاح ذو حدين؛ أداة عظيمة للعلم والتعلم، لكنه يمثل أيضاً مكبر صوت مرعب لليأس والإحباط. أصبح الكثير من الشباب يقضون ساعات طويلة يقارنون فيها حياتهم الواقعية البسيطة بحياة مثالية مزيفة تُعرض خلف الشاشات البراقة، والأسوأ من ذلك هو متابعة محتوى هابط يروّج للاستسلام ويمجده بدلاً من دفعهم نحو الصمود والمواجهة وتخطي الصعاب اليومية.

انتشار العدوى النفسية والمسؤولية الكبرى

والأخطر من كل هذا، أن قصة انتحار واحدة عندما تنتشر كالنار في الهشيم على منصات التواصل، فإنها تزرع الفكرة الخبيثة وتغذّيها في عقل شخص آخر يعاني في الأصل من العزلة والضعف النفسي. وحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية الرسمية، يموت حوالي 700 ألف شخص سنويًا بسبب الانتحار حول العالم، والكثير منهم تأثروا بشكل غير مباشر بما يتابعونه ويسمعونه في الفضاء الرقمي الشاسع. لهذا السبب الإنساني، فإن المسؤولية ليست فردية وحسب؛ فكل كلمة نكتبها، وكل منشور نشاركه مع الآخرين، قد يكون بمثابة حبل نجاة ومتنفس يُمد لغريق يوشك على الموت، أو سكيناً حاداً يُجهِز على ما تبقى من روحه.

صناعة الأثر وبناء المجتمع الحقيقي

إن صناع المحتوى الرقمي تحديداً يحملون أمانة ثقيلة ومقدسة في رقابهم, فرسائلهم تصل إلى الملايين من العقول الحائرة، وكلمة طيبة وعفوية صادقة منهم قد تنتشل شخصاً من قاع اليأس والظلام. لقد علمونا في المدارس منذ الصغر أن كل فرد مسؤول عن أفعاله الشخصية فقط، لكنهم للأسف نسوا أن يخبرونا أننا أيضاً مسؤولون مسؤولية أخلاقية عن أثرنا النفسي في الآخرين ومحيطنا الاجتماعي. في النهاية، المجتمع القوي والناجح ليس ذاك الذي يخلو تماماً من المشكلات، بل هو المجتمع المتماسك الذي يسند أفراده بعضهم بعضاً في أوقات المحن، ويمنح الأمل والسكينة لمن فقده؛ فاسأل نفسك جيداً وتدبر عواقب أفعالك قبل أن تكتب منشوراً أو تتكلم بكلمة: هل كلمتي هذه ستكون سبباً في إحياء حياة إنسان وبث الأمل فيه، أم ستكون سبباً مجحفاً في موته؟

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Nermeen Mostafa تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-