أين ذهبتُ أنا؟ لماذا نشعر أحيانًا أننا فقدنا أنفسنا وكيف نعود إليها؟

أين ذهبتُ أنا؟ لماذا نشعر أحيانًا أننا فقدنا أنفسنا وكيف نعود إليها؟

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

أين ذهبتُ أنا؟

لماذا نشعر أحيانًا أننا فقدنا أنفسنا وكيف نعود إليها؟

 

في مكانٍ ما داخل كل إنسان، توجد نسخة منه كان يعرفها جيدًا

نسخة كانت تضحك من قلبها، وتتحمس لأشياء صغيرة، وتخطط للغد وكأن العمر كله ما زال أمامها

كانت تستيقظ وفي رأسها أفكار كثيرة

 

ماذا سأفعل اليوم؟

ماذا سأكتب؟

إلى أين سأذهب؟

ماذا أريد أن أصبح؟

ثم تمر الأيام

ويحدث شيء لا نستطيع تحديده بالضبط

لا نعرف متى بدأ

ولا نستطيع أن نشير إلى يوم محدد ونقول: من هنا تغيّرت

لكننا نكتشف فجأة أننا لم نعد كما كنا

 

image about أين ذهبتُ أنا؟ لماذا نشعر أحيانًا أننا فقدنا أنفسنا وكيف نعود إليها؟

 

ذات صباح لم أجدني

استيقظت ذات صباح، وجلست على طرف السرير

كان كل شيء في مكانه

النافذة كما هي

الهاتف بجانبي

البيت هادئ

والصباح يمضي بشكل طبيعي

لكن شيئًا واحدًا لم يكن في مكانه

أنا

أمسكت هاتفي، فتحت التطبيقات، أغلقتها

حاولت أن أكتب شيئًا، فلم أجد الكلمات

قلت لنفسي: ربما أحتاج إلى الراحة

مر يوم

ثم يوم آخر

ثم أصبحت الأيام تشبه بعضها

لم أعد أريد الحديث كثيرًا

لم أعد أتحمس للأشياء التي كنت أحبها

حتى الأشياء التي كنت أنتظرها بشغف، أصبحت تمر أمامي وكأنها لا تعنيني

والأغرب من كل ذلك

أنني كنت أفتقد نفسي

كنت أقول في داخلي:

“أين ذهبت تلك الفتاة التي كنتها؟”

ربما مررتَ بهذا الشعور من قبل

أن تنظر إلى نفسك في المرآة، فتتعرف على وجهك

لكن لا تتعرف على الشخص الذي يسكن خلفه

image about أين ذهبتُ أنا؟ لماذا نشعر أحيانًا أننا فقدنا أنفسنا وكيف نعود إليها؟

 

أحيانًا لا نفقد أنفسنا نحن فقط نتعب

نحن نميل إلى لوم أنفسنا بسرعة

نقول:

لماذا أصبحت كسولًا؟

لماذا لم أعد اجتماعيًا؟

لماذا فقدت شغفي؟

لماذا لم أعد أستمتع؟

لماذا تغيرت؟

وكأن الإنسان مطالب بأن يبقى قويًا ومتحمسًا طوال الوقت

لكن الحقيقة أن الإنسان ليس آلة

هناك أيام نركض فيها نحو الحياة بكل قوتنا، وهناك أيام بالكاد نستطيع فيها أن ننهض من مكاننا

والتعب الطويل يفعل بنا أشياء لا نلاحظها في البداية

يجعلنا أقل كلامًا

أكثر انعزالًا

أقل رغبة في الأشياء

وقد يجعل أبسط المهام تبدو ثقيلة

نحن لا نتغير دائمًا لأننا لم نعد نحب الحياة

أحيانًا نحن فقط استنزفنا من كثرة ما حاولنا أن نتحمل

 

image about أين ذهبتُ أنا؟ لماذا نشعر أحيانًا أننا فقدنا أنفسنا وكيف نعود إليها؟

 

هناك أشياء لا يراها أحد

قد يراك الناس جالسًا بهدوء ويقولون:

“ما به؟”

وقد يراك أحدهم لا ترد على رسائله فيظن أنك تتجاهله

وقد يراك آخر ترفض الخروج فيعتقد أنك أصبحت متكبرًا

لكن لا أحد يعرف كم معركة خضتها في داخلك قبل أن تصل إلى تلك اللحظة

لا أحد يعرف كم مرة قلت لنفسك:

“تماسك”

كم مرة ابتلعت حزنك حتى لا تزعج أحدًا

كم مرة ابتسمت وأنت من الداخل تحتاج فقط إلى شخص يقول لك:

“تعال، اجلس، لا تحتاج أن تكون قويًا الآن”

لهذا لا تحكم على نفسك بقسوة

ولا تحكم على الآخرين من ظاهر أيامهم

فبعض الناس يحملون في صدورهم قصصًا كاملة، ولا يظهر منها على وجوههم إلا القليل

 

image about أين ذهبتُ أنا؟ لماذا نشعر أحيانًا أننا فقدنا أنفسنا وكيف نعود إليها؟

 

لكن هل سنبقى هكذا؟

لا

وهنا الجزء الذي أريدك أن تتذكره جيدًا:

الفترة التي فقدت فيها نفسك ليست بالضرورة نهايتك

قد تكون مجرد محطة

قد تكون فترة احتجت فيها أن تتوقف قليلًا، حتى لو لم تختر التوقف بنفسك

نحن أحيانًا نريد العودة إلى أنفسنا دفعة واحدة

نريد أن نستيقظ غدًا فنصبح نشيطين، سعداء، منتجين، مليئين بالأفكار والطموح

لكن العودة لا تحدث هكذا

العودة تشبه شروق الشمس

لا تأتي فجأة بكل قوتها

يظهر خيط صغير من الضوء ثم يكبر

 

image about أين ذهبتُ أنا؟ لماذا نشعر أحيانًا أننا فقدنا أنفسنا وكيف نعود إليها؟

 

كيف نعود إلى أنفسنا؟

لا تبدأ بتغيير حياتك كلها

ابدأ بشيء صغير جدًا

رتّب سريرك

افتح نافذتك

اشرب كوب ماء

اخرج قليلًا من غرفتك

اكتب صفحة واحدة

اقرأ شيئًا تحبه

تحدث مع شخص تشعر معه بالأمان

امشِ قليلًا

صلِّ، ادعُ، اجلس مع نفسك بهدوء إن كان ذلك يمنحك الطمأنينة

وإذا لم تستطع فعل كل ذلك

فلا بأس

افعل شيئًا واحدًا فقط

المهم ألا تجعل فترة تعبك سببًا في كرهك لنفسك

 

image about أين ذهبتُ أنا؟ لماذا نشعر أحيانًا أننا فقدنا أنفسنا وكيف نعود إليها؟

 

لا تحاول أن تصبح الشخص القديم

وهذه نقطة مهمة جدًا

ربما أنت لا تحتاج إلى العودة إلى الشخص الذي كنت عليه

ربما تحتاج إلى أن تتعرف على الشخص الذي أصبحت عليه الآن

فأنت لم تمر بكل ما مررت به عبثًا

الأشياء التي أتعبتك ربما جعلتك أكثر فهمًا للناس

الأيام التي بكيت فيها ربما جعلتك أكثر رحمة

الوحدة ربما جعلتك تعرف قيمة الصحبة الحقيقية

والأوقات التي شعرت فيها أنك ضائع ربما علمتك كيف تبحث عن نفسك

قد لا تعود كما كنت

وربما هذا ليس سيئًا

ربما ستعود نسخة أكثر هدوءًا

أكثر وعيًا

أقل اندفاعًا

وأكثر معرفة بما تستحقه وما لا تستحقه

لا تستعجل نفسك

أعرف أننا نعيش في عالم يحب النتائج السريعة

يقولون لك:

غيّر حياتك

كن إيجابيًا

ابدأ من جديد

طور نفسك

كن أفضل نسخة منك

 

image about أين ذهبتُ أنا؟ لماذا نشعر أحيانًا أننا فقدنا أنفسنا وكيف نعود إليها؟

لكن ماذا لو كنت تحتاج اليوم فقط إلى أن تكون رحيمًا بنفسك؟

ماذا لو لم يكن المطلوب منك أن تصبح أفضل نسخة منك، بل أن تمنح النسخة الحالية منك فرصة لتتنفس؟

لا بأس أن تتأخر قليلًا

لا بأس أن تمر بفترة هادئة

لا بأس أن تقلل علاقاتك لبعض الوقت

لا بأس أن تعيد ترتيب حياتك من الداخل قبل أن تعيد ترتيبها من الخارج

ليس كل توقف فشلًا

بعض التوقفات هي الطريقة التي يحمي بها الإنسان ما تبقى منه

 

image about أين ذهبتُ أنا؟ لماذا نشعر أحيانًا أننا فقدنا أنفسنا وكيف نعود إليها؟

 

وإلى الشخص الذي يقول: “لم أعد أنا”

أريد أن أقول لك شيئًا:

لا تبحث عن نفسك في الأيام القديمة فقط

لا تقل:

“كنت أفضل”

“كنت أضحك أكثر”

“كنت أقوى”

“كنت أملك شغفًا”

أنت ما زلت هنا

وهذا وحده شيء مهم

ما زلت تستيقظ

ما زلت تحاول

ما زلت تقرأ هذه الكلمات

وربما الجزء الصغير الذي بداخلك والذي جعلك تبحث عن إجابة لسؤال:

“كيف أعود إلى نفسي؟”

هو نفسه الجزء الذي لم يستسلم بعد

احتفظ به

اعتنِ به

لا تطفئه لأنك تأخرت

ولا تكره نفسك لأنك تعبت

ربما لم تَفقد نفسك

ربما كانت نفسك واقفة منذ فترة طويلة على باب قلبك، تنتظر منك أن تتوقف عن الركض قليلًا

أن تجلس بجانبها

أن تسمعها

أن تقول لها:

“آسف لأنني قسوت عليك كل هذا الوقت”

ثم تمسك يدها بهدوء وتقول:

“تعالي، نبدأ من جديد، لكن هذه المرة لن أتركك وحدك”

وأحيانًا

لا نحتاج إلى بداية كبيرة

نحتاج فقط إلى خطوة صغيرة نحو أنفسنا

ثم خطوة أخرى

ثم يومًا ما، سنضحك من جديد دون أن نخطط لذلك

سنكتب

سنحلم

سنحب الحياة بطريقة مختلفة

وسنكتشف أن الإنسان الذي ظننا أننا فقدناه

لم يرحل أصلًا

كان فقط متعبًا

وكان ينتظر أن نعود إليه 🤍

 

 

أسمهان نجيب الصلوي

كاتبة ومؤلفة، أخصائية اجتماعية وداعمة نفسية

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
أسمهان نجيب الصلوي تقييم 4.98 من 5.
المقالات

13

متابعهم

20

متابعهم

50

مقالات مشابة
-