بين أصابع الضغط والهدوء المؤقت: رحلة فهم هوس نتف الشعر

بين أصابع الضغط والهدوء المؤقت: رحلة فهم هوس نتف الشعر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about بين أصابع الضغط والهدوء المؤقت: رحلة فهم هوس نتف الشعر

 

بين أصابع الضغط والهدوء المؤقت: رحلة فهم هوس نتف الشعر

لماذا تتجه الأصابع إلى الشعر؟

تخيّل نفسك جالساً أمام شاشة الكمبيوتر، أو ربما في منتصف ليل طويل، وفجأة تجد يدك تتجه تلقائياً إلى خصلة شعر خلف أذنك. لا تفكر في الأمر، بل تشعر فقط بلذة اللحظة التي تفصل فيها الشعرة عن فروة رأسك. قد تكون تلك اللحظة قصيرة، لكنها تحمل معها شعوراً غريباً بالارتياح، كأنك أطلقت ضغطاً كنت لا تدرك وجوده.

هذا بالضبط ما يعيشه ملايين الأشخاص حول العالم يومياً. ليسوا "مجنونين"، ولا يفتقرون إلى الإرادة، بل هم أشخاص عاديون يواجهون اضطراباً نفسياً حقيقياً يُدعى هوس نتف الشعر أو Trichotillomania، وهو جزء من مجموعة السلوكيات التكرارية المرتكزة على الجسد (Body-Focused Repetitive Behaviors).


ما هو هوس نتف الشعر؟

وفقاً لـ Mayo Clinic، يُعرّف هوس نتف الشعر بأنه حالة صحية نفسية تتضمن رغبات متكررة وقوية في نتف الشعر من فروة الرأس أو الحواجب أو مناطق أخرى، حيث قد يحاول الشخص مقاومة هذه الرغبات لكنه يعجز عن ذلك.

 

وفقاً لمعايير DSM-5، يتطلب التشخيص: نتفاً متكرراً للشعر يؤدي إلى تساقط ملحوظ، ومحاولات متكررة وفاشلة للتوقف، ومعاناة أو إعاقة وظيفية ملحوظة، مع استبعاد أن يكون السلوك ناتجاً عن حالة طبية أو نفسية أخرى.

 

هو حالة مزمنة تتكرر بشكل متكرر وغير متحكم فيه، غالباً ما تسبقها شعور بالتوتر أو القلق، ويتبعها شعور بالارتياح أو الرضا المؤقت.

الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب يعانون من "حلقة مفرغة" صعبة:

التوتر: يبدأ كل شيء بشعور بالقلق أو الملل أو الإحباط.

النتف: تتجه اليد تلقائياً إلى الشعر، وقد يحدث ذلك دون وعي تام (أوتوماتيكي).

الارتياح المؤقت: تشعر بلحظة هدوء، لكنها سرعان ما تتلاشى.

الندم: تنظر إلى الشعرة في يدك أو إلى البقع الصلعاء في المرآة، فيغمرك الشعور بالذنب والخجل.


الجانب الخفي من المشكلة

ما يجعل هذا الاضطراب معقداً هو أنه غالباً ما يُخفى. الكثير من المصابين يتجنبون الحديث عنه خوفاً من أن يُنظروا إليهم على أنهم "غريبون" أو "ضعفاء". بعضهم يقضون ساعات طويلة أمام المرآة يحاولون إخفاء الفراغات في شعرهم بأي طريقة ممكنة. آخرون يشعرون بالعزلة، معتقدين أنهم وحدهم في هذا العالم يعانون من هذه "العادة الغريبة".

الحقيقة أنهم ليسوا وحدهم. تشير دراسة كبيرة نُشرت في PMC/NIH إلى أن معدل الانتشار الحالي (Current Prevalence) لهوس نتف الشعر يبلغ حوالي 1.7% من السكان، بينما يصل معدل الانتشار مدى الحياة (Lifetime Prevalence) إلى 2.5%.

 

وتشير دراسات أخرى إلى أن معدلات السلوك العام للنتف (دون استيفاء معايير التشخيص الكامل) قد تكون أعلى بكثير في عينات مجتمعية.

 

المعدل الحقيقي قد يكون أعلى لأن الكثيرين لا يبحثون عن المساعدة أو يُخفون السلوك.


كيف يمكن التعامل مع الأمر؟

الخروج من هذه الحلقة المفرغة ممكن، لكنه يحتاج إلى صبر وخطوات عملية ودعم مهني:

1. الاعتراف دون إدانة أول خطوة هي الاعتراف بأن ما يحدث ليس "مجرد عادة" يمكن التوقف عنها بقرار. هذا الاعتراف ليس ضعفاً، بل هو شجاعة.

2. فهم المحفزات هل يحدث النتف عندما تكون متوتراً في العمل؟ أم عندما تشاهد التلفاز؟ أم في الليل قبل النوم؟ تتبع اللحظات التي تسبق النتف يساعدك على فهم "الأزرار" التي تُشغل هذا السلوك.

3. البحث عن بدائل لليدين بعض الأشخاص يجدون فائدة في تدوير كرة إجهاد أو لعب بخرز أو حتى ارتداء قفازات رقيقة في أوقات الذروة. الفكرة هي إعطاء يديك شيئاً آخر يفعلانه (سلوك بديل متنافس).

4. طلب المساعدة المهنية تُعتبر تدريب عكس العادة (Habit Reversal Training - HRT)، وهو نوع من العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، من أكثر الأساليب دعماً بالأدلة العلمية. تشير الأبحاث إلى أن 50% إلى 60% على الأقل من الأفراد المصابين يحققون تحسناً سريرياً ذا معنى من العلاجات التي تتضمن HRT.

 

كما أظهرت دراسات أن دمج HRT مع عناصر من العلاج بالقبول والالتزام (ACT) أو العلاج السلوكي الجدلي (DBT) قد يُحسّن من فعالية العلاج ويُطيل فترة استمرار التحسن.

 

أما بالنسبة للأدوية، فالأدلة العلمية حول فعاليتها في علاج هوس نتف الشعر محدودة وغير حاسمة. تشير بعض الدراسات إلى أن مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات (مثل الكلوميبرامين) أو مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) قد تُفيد في بعض الحالات، خاصة عند وجود اضطرابات مصاحبة مثل القلق أو الاكتئاب، لكنها ليست العلاج الأول الموصى به بشكل عام.

 

ملاحظة هامة: اختيار نوع العلاج (نفسي أو دوائي أو مزيج) يعتمد على تقييم الطبيب النفسي المتخصص لكل حالة على حدة. لا يُنصح ببدء أي دواء دون استشارة طبية.


رسالة للمحيطين

إذا كان شخص قريب منك يعاني من هذا الاضطراب، فتذكر أن النصائح البسيطة مثل "ما تنتفيش شعرك" أو "خليك قوي" لا تُفيد. ما يحتاجه هو أن يشعر أنه مُسمع ومفهوم، لا أنه يُحاكم. أحياناً، مجرد الجلوس معه والحديث عن الموضوع دون خجل يكون أقوى دعم.


الخاتمة

هوس نتف الشعر ليس نهاية العالم، ولا هو علامة على ضعف الشخصية. هو مجرد طريقة تعبير خاطئة عن مشاعر عميقة لا تجد منفذاً آخر. والأمل الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن محاربة أنفسنا ونبدأ في فهمها.

كل شعرة تُنتفى تحمل قصة، وكل قصة تستحق أن تُسمع بعطف.


المصادر:

Mayo Clinic. Trichotillomania (hair-pulling disorder) - Symptoms and causes. 2023. mayoclinic.org

Grant JE, Chamberlain SR. Prevalence, Gender Correlates, and Co-morbidity of Trichotillomania. Psychiatry Research. PMC/NIH. ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC7212053

Bate KS, Malouff JM, Thorsteinsson EB, Bhullar N. Optimizing psychological interventions for trichotillomania (hair-pulling disorder): an update on current empirical status. Neuropsychiatric Disease and Treatment. PMC/NIH. ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC4396507


 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Daabis تقييم 5 من 5.
المقالات

12

متابعهم

27

متابعهم

93

مقالات مشابة
-