مات من الضحك… ولم يكن يضحك
كانوا يضحكون... لكنه لم يكن يضحك: حين يتحول التنمر إلى أذى
في كل مرة كان آدم يدخل فيها الفصل، كانت الضحكات تبدأ. نظرات ساخرة، تعليقات على ملابسه، تقليد لطريقة كلامه، ثم هاتف يرتفع في الخفاء لالتقاط صورة أو تسجيل مقطع جديد. كانوا يضحكون، ثم يقولون له: «إحنا بنهزر... متبقاش حساس.»
وكان آدم يبتسم. ليس لأنه سعيد، وليس لأن الكلام لم يؤلمه، بل لأنه لم يكن يعرف ماذا يفعل غير ذلك. كان يضحك معهم حتى لا يلاحظوا أنه يتألم. ثم يعود إلى منزله، يغلق باب غرفته، ويجلس أمام هاتفه في صمت. كان يعيد في رأسه تفاصيل اليوم: الضحكات، الكلمات، النظرات، والمقطع الذي انتشر بين الطلاب.
وفي الخارج، كانت والدته تسأله: «مالك يا آدم؟» فيجيبها كالعادة: «أنا كويس.» ثم يدخل غرفته ويغلق الباب.
ومع مرور الأيام، تغير آدم. أصبح أكثر صمتًا، وابتعد عن أصدقائه، وتوقف تدريجيًا عن الرسم؛ ذلك الشيء الذي كان يحبه ويهرب إليه عندما يشعر بالضيق. لاحظت والدته التغيير، لكنها لم تعرف سببه، فآدم لم يخبرها.
وفي أحد الأيام، انتشر مقطع جديد له بين الطلاب. هذه المرة كانت السخرية أقسى. مئات المشاهدات، تعليقات جارحة، وضحكات تتزايد مع كل مشاركة.
كان بإمكان أحدهم أن يحذف المقطع، وكان بإمكان آخر أن يقول: «كفاية.» وكان بإمكان شخص واحد فقط أن يسأل: «هو آدم عامل إيه دلوقتي؟» لكن لم يفعل أحد.
آدم لم يضحك.
وفي تلك الليلة، حدثت مأساة أنهت حياته، وتركت أسرته أمام حقيقة لم يتخيلوا يومًا أنهم سيواجهونها.
في صباح اليوم التالي، كان مقعد آدم في الفصل فارغًا. هذه المرة لم يكن غيابه بسبب المرض، ولم يكن سيعود بعد يوم أو أسبوع. جلس الطلاب في أماكنهم، لكن شيئًا ما تغير. لم تعد الضحكات كما كانت.
بدأوا يتذكرون الصورة التي نشروها، والمقطع الذي شاركوه، والتعليق الذي كتبوه، والجملة التي قالوها مئات المرات: «إحنا بنهزر.»
لكنهم فهموا متأخرين أن المزاح لا يكون مزاحًا عندما يؤذي إنسانًا، وأن عبارة «متبقاش حساس» لا تمحو الألم، وأن ابتسامة الشخص ليست دليلًا على أنه بخير.
التنمر لا يتوقف عند الكلمات التي تُقال في لحظة، خصوصًا عندما يتحول إلى صور ومقاطع تنتشر بين الناس. فالشخص الذي يتعرض للسخرية قد يشعر بأنه مراقب طوال الوقت، وقد يبدأ في تجنب الأماكن أو الأشخاص الذين يخشى أن يواجههم، وقد يفقد الثقة في نفسه وفي الآخرين.
والأخطر أن كثيرًا من الأشخاص الذين يتعرضون للتنمر يختارون الصمت. ليس لأن الأمر بسيط، ولكن لأنهم قد يخافون من أن يؤدي الكلام إلى زيادة السخرية أو الانتقام منهم. لذلك، لا ينبغي أن ننتظر دائمًا اعتراف الشخص بأنه يتألم حتى نمد له يد المساعدة.
وقد حذّرنا الله سبحانه وتعالى من السخرية من الآخرين، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾
[الحجرات: 11]
فقد نرى شخصًا مختلفًا عنا في شكله أو طريقته أو اهتماماته، ونظن أن ذلك يمنحنا الحق في السخرية منه، بينما يذكّرنا القرآن بأننا لا نعرف مكانة الآخرين عند الله، ولا نملك الحق في احتقار إنسان أو التقليل منه.
وقال الله سبحانه وتعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾
[إبراهيم: 24-25]
فالكلمة ليست مجرد صوت ينتهي بمجرد أن نقولها. قد تكون سببًا في ابتسامة إنسان، وقد تكون سببًا في جرحه، وقد تبقى في ذاكرته فترة طويلة بعد أن ينساها قائلها.
لذلك، قبل أن تضحك على شخص، فكر لحظة: هل هو يضحك فعلًا؟
وقبل أن تنشر صورته أو مقطعه، اسأل نفسك: هل أعطاني إذنه؟ وهل يمكن أن يسبب نشره له أذى أو إحراجًا؟
وقبل أن تكتب تعليقًا ساخرًا، تذكر أن ما تراه على الشاشة مجرد ثوانٍ، بينما قد يعيش شخص آخر أثر كلماتك لأيام أو أشهر.
وإذا رأيت شخصًا يتعرض للتنمر، فلا تكن جزءًا من المشهد بالصمت أو المشاركة. لا تعِد نشر المقطع، ولا تشجع المتنمرين، ولا تحول معاناة شخص إلى مادة للضحك. وإذا استمر الأمر أو أصبح خطيرًا، أخبر شخصًا بالغًا تثق به، سواء كان أحد الوالدين أو معلمًا أو مسؤولًا في المدرسة.
وإذا لاحظت أن شخصًا تعرفه تغير فجأة، وأصبح منعزلًا أو حزينًا أو فقد اهتمامه بما كان يحبه، فلا تكتفِ بسؤاله مرة واحدة. اقترب منه، اسمعه، ولا تسخر من مشاعره أو تقلل منها. اجعله يشعر أن الحديث معك آمن، وشجعه على طلب المساعدة من شخص موثوق إذا كان يحتاج إليها.
فقد تكون كلمة بسيطة منك هي السبب في أن يطلب المساعدة بدلًا من أن يواجه ألمه بمفرده.
كما أن مسؤولية مواجهة التنمر لا تقع على الشخص الذي يتعرض له وحده. الأسرة والمدرسة والأصدقاء جميعهم لهم دور في خلق بيئة يشعر فيها الإنسان بالأمان والاحترام. فالطفل أو المراهق الذي يعرف أن هناك من سيستمع إليه ويحميه، يكون أكثر قدرة على الحديث عما يمر به بدلًا من إخفائه.
ولا أحد يعرف المعارك التي يخوضها الآخرون خلف الأبواب المغلقة. لذلك، لا تجعل كلماتك سببًا في جرح إنسان، اجعلها سببًا في طمأنته، واجعل وجودك في حياة الآخرين جبرًا لا كسرًا.
اضحك مع الناس... لا على الناس.
فبعض الضحكات تنتهي بانتهاء اللحظة، لكن أثر بعض الكلمات قد يبقى طويلًا.
ولا تنتظر أن يصبح المقعد فارغًا حتى تدرك أن الإنسان الذي كنت تضحك عليه كان يحتاج منك شيئًا أبسط بكثير:وهو أن تتوقف.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق