في هذا المقال
الفصام: عندما يتغير إدراك الإنسان للواقع من حوله
قد تبدأ الحكاية بأخبار غير سعيدة، بل وربما غريبة تبدو أحيانًا عجيبة لمن حول الشخص.
فجأة أو بصورة تدريجية، تبدأ أحداث وتحولات في حياة الفرد والأسرة؛ بعضها عاصف ومفاجئ، وبعضها الآخر يتسلل ببطء، فيلاحظه بعض أفراد الأسرة، لكنهم يضعون له تفسيرات وتأويلات مختلفة.
فما الذي يحدث؟
الفصام اضطراب نفسي شديد يؤثر في طريقة التفكير والإدراك والسلوك والمشاعر والتفاعل مع الآخرين، وقد يؤدي إلى صعوبات واضحة في الدراسة أو العمل والعلاقات الاجتماعية والعناية بالنفس. وتختلف الأعراض وشدتها ومسارها بصورة كبيرة من شخص إلى آخر.

كيف يمكن أن تبدأ المشكلة؟
قد تبدأ العلامات الأولى بصورة غير واضحة.
يصبح الشخص أكثر انعزالًا عن الآخرين، ويتراجع اهتمامه بما كان يشغله سابقًا، وقد ينخفض مستواه الدراسي أو الأكاديمي أو أداؤه في العمل.
فإذا كان طالبًا، قد تبدأ درجاته في التراجع، ويقل اهتمامه بالدراسة، وقد يصل الأمر إلى الرسوب.
أما إذا كان يعمل، فقد يبدو عليه انخفاض الدافعية والاهتمام، أو اللامبالاة بما كان يحرص عليه من قبل.
وقد تتراجع كذلك عنايته بنفسه ونظافته الشخصية ومظهره الخارجي.
وهذه التغيرات ليست دليلًا بمفردها على الإصابة بالفصام؛ فقد تحدث لأسباب نفسية أو طبية متعددة. لكنها تصبح أكثر أهمية عندما تكون جديدة وواضحة ومتزايدة، خاصة إذا صاحبها تغير في التفكير أو الإدراك أو السلوك. وتشير المصادر العلمية إلى أن تغيرات التفكير والمزاج والوظيفة الاجتماعية قد تظهر قبل أول نوبة ذهانية.
متى يبدأ الفصام عادة؟
يظهر الفصام في كثير من الحالات خلال أواخر المراهقة أو مرحلة الشباب المبكر، وغالبًا ما يكون التشخيص بين عمر 16 و30 عامًا بعد ظهور أول نوبة ذهانية.
ومع ذلك، لا يعني ذلك أن الاضطراب لا يمكن أن يظهر في أعمار أخرى؛ فهناك حالات تبدأ في مراحل عمرية مختلفة، ولذلك لا ينبغي استبعاد التشخيص اعتمادًا على العمر وحده.
عندما تبدأ الأفكار في السيطرة على الشخص
قد تبدأ بعض الأفكار الغريبة في الظهور تدريجيًا، ثم تصبح أكثر حضورًا وسيطرة على تفكير الشخص.
ومن أهم الأعراض الذهانية الضلالات، وهي معتقدات ثابتة لا تتفق مع الواقع أو الأدلة المتاحة، ويصعب على الشخص التخلي عنها رغم محاولة الآخرين مناقشته فيها.
وقد تأخذ هذه الأفكار صورًا متعددة.
قد يبدأ الشخص في الشك فيمن حوله، وأحيانًا يكون أقرب الناس إليه هم الأكثر تعرضًا لهذا الشك.
وقد يعيد تفسير أحداث قديمة أو مواقف عادية بطريقة جديدة تتفق مع اعتقاده بأنه مستهدف أو مراقب أو مضطهد.
فقد يضع الأب أو الأم أو الأخوة في دائرة الشك والاتهام، وقد تمتد هذه الدائرة إلى الأقارب أو المعارف أو الجيران.
المشكلة أن الأمور اليومية العادية قد تتحول في ذهنه إلى إشارات تحمل معنى خاصًا بالنسبة إليه.
فقد يعتقد أن حدثًا عابرًا يحمل رسالة موجهة إليه، أو أن بعض التصرفات أو الكلمات أو حتى ما يراه في وسائل الإعلام يتضمن إشارات خاصة لا يفهمها سواه.
وهنا يصبح العالم من حوله مختلفًا عن العالم الذي يراه الآخرون.
الإحساس بالاضطهاد
قد يشعر الشخص بأن الآخرين يتآمرون عليه أو يريدون إيذاءه، أو أنه مستهدف أو غير مرغوب فيه.
وقد يصل الأمر إلى الاعتقاد بأن هناك مؤامرات تُدبّر ضده، أو أن الطعام والشراب قد يكونان مسمومين.
هذه الأفكار قد تكون شديدة الإقناع بالنسبة إلى الشخص الذي يعيشها؛ ولذلك فإن مجرد إخباره بأنها «غير حقيقية» قد لا يكون كافيًا لإقناعه.
ومن المهم أن نتذكر أن الفكرة الضلالية قد تبدو غير منطقية للآخرين، لكنها بالنسبة إلى الشخص الذي يعاني منها قد تبدو حقيقة مؤكدة.
الأصوات التي لا يسمعها الآخرون
ومن الأعراض التي قد تظهر أيضًا الهلوسات، ومن أشهرها سماع أصوات لا يسمعها الأشخاص الموجودون حول المريض.
قد يسمع صوتًا واحدًا أو أكثر، وقد تتحدث الأصوات إليه أو تتحدث عنه.
وقد تكون الأصوات ناقدة أو مهددة أو آمرة، وقد يظل الشخص يبحث عن مصدرها، فيفتح الباب أو النافذة، وينظر حوله، ويسأل من كان يتحدث منذ قليل.
وقد تكون التجربة شديدة الإزعاج ومسببة لخوف وتوتر بالغين.
والهلوسة ليست مقصورة على سماع الأصوات؛ فقد تشمل أشكالًا أخرى من الإدراك الحسي، كما أن وجود الهلوسة وحدها لا يعني تلقائيًا أن الشخص مصاب بالفصام، إذ يمكن أن تحدث الأعراض الذهانية في حالات نفسية وطبية مختلفة.
ماذا يحدث للحياة اليومية؟
مع استمرار الأعراض، قد يتراجع اهتمام الشخص بعمله أو دراسته، وتزداد صعوبة علاقاته بالآخرين.
وقد يصبح أكثر انعزالًا، وتقل مشاركته الاجتماعية، كما قد تتراجع قدرته على العناية بنفسه وبمظهره ونظافته الشخصية.
وقد تتأثر الأسرة كذلك؛ إذ يجد أفرادها أنفسهم أمام تغيرات لم يعتادوا عليها، ولا يعرفون دائمًا كيف يفسرونها أو يتعاملون معها.
وتوضح المصادر العلمية أن أعراض الذهان غير المعالجة يمكن أن تعطل الدراسة والعمل، وتؤثر في العلاقات الأسرية والاجتماعية، ولذلك فإن التعرف المبكر على الأعراض وطلب التقييم المتخصص أمر مهم.
عندما تبحث الأسرة عن تفسير
أمام تغيرات مفاجئة وغير مفهومة، قد يبحث أفراد الأسرة عن تفسيرات مختلفة.
وفي بعض المجتمعات قد تُفسر هذه التغيرات بالسحر أو الحسد أو غير ذلك من التفسيرات الشعبية، وقد تبدأ الأسرة رحلة طويلة بحثًا عن حلول بعيدة عن الرعاية الطبية المتخصصة.
المشكلة ليست فقط في التفسير الخاطئ، وإنما في تأخير التقييم والعلاج المناسب بينما تستمر الأعراض وتتفاقم آثارها على حياة الشخص والأسرة.
ولهذا فإن وجود تاريخ عائلي لاضطراب نفسي، أو ظهور تغيرات واضحة في التفكير والسلوك والإدراك، لا ينبغي أن يكون سببًا للوصمة أو الخوف، وإنما سببًا لطلب تقييم متخصص.
لماذا تبدو هذه التجربة شديدة القسوة؟
عندما يتغير إدراك الإنسان للواقع من حوله، فإن الأشياء التي تبدو بسيطة وطبيعية للآخرين قد تصبح بالنسبة إليه مقلقة أو مخيفة أو مليئة بالمعاني.
فالأسرة ترى موقفًا عاديًا، بينما قد يراه الشخص جزءًا من مؤامرة.
والآخرون لا يسمعون صوتًا، بينما هو يسمعه بوضوح.
وهذا يفسر جانبًا من شدة المعاناة التي قد يعيشها الشخص، كما يوضح لماذا يحتاج إلى تعامل هادئ ومحترم، وليس إلى السخرية أو المواجهة العنيفة أو الاتهام.
والتعامل الداعم لا يعني تأكيد الأفكار الضلالية، وإنما يعني احترام الشخص ومشاعره، مع تشجيعه على الحصول على مساعدة متخصصة.
هل الفصام قابل للعلاج؟
الفصام اضطراب يحتاج إلى علاج ومتابعة، لكن وجود التشخيص لا يعني نهاية الحياة الطبيعية أو فقدان القدرة على الدراسة والعمل والعلاقات.
تتوفر حاليًا علاجات فعالة تساعد على تقليل الأعراض وتحسين الأداء اليومي وجودة الحياة. وتشمل الخطة العلاجية، بحسب حالة كل شخص، الأدوية المضادة للذهان، والتدخلات النفسية والاجتماعية، والتثقيف والدعم الأسري، وإعادة التأهيل، وقد تكون برامج الرعاية المتخصصة المبكرة مهمة بصورة خاصة عند حدوث أول نوبة ذهانية.
وتشير الأدلة الحديثة إلى أن التدخل المبكر بعد ظهور الذهان يمكن أن يحسن فرص التعافي والنتائج الوظيفية على المدى الطويل.
الفصام ليس مجرد «تصرف غريب»
من المهم ألا نحكم على شخص بأنه مصاب بالفصام لمجرد أنه أصبح منعزلًا أو غريب التصرف أو قليل الكلام.
التشخيص عملية طبية متخصصة، وقد تتشابه بعض الأعراض مع اضطرابات نفسية أخرى أو حالات طبية أو تأثير بعض المواد والأدوية.
لذلك فإن ظهور تغيرات مستمرة أو متزايدة في التفكير والإدراك والسلوك يستدعي التقييم لدى طبيب أو متخصص في الصحة النفسية، بدل الاكتفاء بالتفسيرات الشخصية أو الاجتماعية.
الخلاصة
الفصام ليس مجرد تغير في السلوك، ولا مجرد انعزال أو غرابة في التصرف.
إنه اضطراب معقد قد يؤثر في التفكير والإدراك والمشاعر والسلوك والعلاقات والقدرة على أداء الأدوار اليومية.
وقد تبدأ علاماته بصورة تدريجية لا تثير الانتباه في البداية، ثم تظهر أعراض أكثر وضوحًا مثل الضلالات والهلوسات واضطراب التفكير.
والوعي بهذه العلامات لا يعني تشخيص الشخص، لكنه يساعد الأسرة على إدراك أن بعض التغيرات التي تبدو غريبة أو غير مفهومة قد تحتاج إلى تقييم متخصص.
والأهم أن الفصام اضطراب قابل للعلاج والسيطرة على أعراضه لدى كثير من الأشخاص، وأن طلب المساعدة مبكرًا يمكن أن يكون خطوة مهمة في طريق التعافي واستعادة الدراسة أو العمل والعلاقات والحياة اليومية.
تنبيه مهم حول طبيعة المعلومات
المعلومات الواردة في هذا المقال عامة وتثقيفية وتهدف إلى التوعية، ولا تمثل تشخيصًا أو علاجًا لحالة فردية، ولا تغني عن التقييم الطبي أو النفسي المتخصص.
لا يمكن تشخيص الفصام اعتمادًا على عرض واحد أو على قراءة مقال، كما أن اختيار العلاج والدواء والجرعة ومدة العلاج يختلف من شخص إلى آخر وفق التقييم الطبي، ونوع الأعراض، والحالة الصحية العامة، والاستجابة للعلاج والآثار الجانبية المحتملة.
لذلك لا ينبغي استخدام هذا المقال لاتخاذ قرار شخصي بشأن بدء دواء أو إيقافه أو تغيير جرعته. المعلومات العلاجية الواردة هنا تعليمية عامة وليست توجيهًا علاجيًا لحالة بعينها.
مصادر موثوقة للتحقق والقراءة
- منظمة الصحة العالمية (WHO): معلومات حديثة عن الفصام والاضطرابات النفسية، وتشير إلى أن الفصام أثّر في نحو 27 مليون شخص عالميًا في عام 2023.
- المعهد الوطني للصحة النفسية الأمريكي (NIMH): معلومات عن الفصام وأعراضه والتشخيص والعلاج.
- NIMH – Understanding Psychosis: شرح للذهان والضلالات والهلوسات والعلامات المبكرة وأهمية التدخل المبكر.
- NIMH – Coordinated Specialty Care: معلومات عن الرعاية المتخصصة المبكرة للذهان وأهمية إشراك الأسرة والفريق العلاجي.
تابع جديد عادل عبد اللطيف
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق