في هذا المقال
خلف أستار الأمومة المنهكة⇐كوارث صامتة
الفصول المظلمة في كواليس الأمومة↓
هناك فرق شاسع بين أن تنجب طفلاً وبين أن تستحق لقب "أُم". في الصباح، يمر الناس في الشوارع بلا مبالاة، يرون امرأة تحمل رضيعاً تبدو على وجهها ملامح التعب أو البرود، فلا يدرك أحدهم أن هذا الرضيع، الذي لا حول له ولا قوة، يمثل "حلبة صراع" يومية يُفرغ فيها كائنٌ بالغ كل عقده، وإحباطاته، وأمراضه النفسية العميقة.
المشهد الذي ضجت به منصات التواصل الاجتماعي لامرأة تنهال بوحشية بالضرب على وجه رضيعها البريء في مقطع مصور لم يكن مجرد "حادث فردي عابر"، بل هو انعكاس صارخ لثقب أسود يتسع داخل المجتمعات؛ ثقب تُهدر فيه الطفولة على أيدي من افترض فيهم الكون السند والأمان.

عار الخذلان الصامت: حين يتخلى الشريك↓
لا يبدو الانهيار النفسي لأي أم مصادفة بحتة، ولا يأتي من فراغ؛ فهو غالباً ما يبدأ في تلك اللحظة التي تُترك فيها وحدها في ميدان المعركة، تحارب جبهات متعددة بلا ظهير ولا سند. صحيح أن غلاء المعيشة وقسوة الظروف ينهشان الجميع بلا استثناء، لكن الكارثة الكبرى لا تكمن في شح الموارد، بل في شح النخوة وغياب الوعي الحقيقي بمسؤولية الشراكة.
حين يتخلى الرجل عن دوره الحقيقي مكتفياً بدور "الممول الصامت" الذي يظن أن جلب المال يعفيه من دفء الحضور، ومن ثقل المشاركة العاطفية والنفسية، فإنه لا يوفر لبيته حياةً، بل يهيئ المسرح لجريمة صامتة. إن زوجة تُترك لتصارع وحدها أمواج التربية المتلاحمة، وضغوط الحياة اليومية الباهظة، دون كلمة أمان أو كتف تستند إليه، ستصل لا محالة إلى تلك اللحظة الحرجة التي تفرغ فيها طاقتها الاستيعابية تماماً، لتجد نفسها في نقطة عجز لم تكن تتوقعها يوماً في طبعها أو سلوكها.
الفارق الجذري: بين "الذكور" و"الرجال"↓
هنا يجب أن نقف بإنصاف حاسم، وألا نلقي التهم جزافاً على الجميع؛ فليس كل الرجال هكذا، شتان ما بين الذكور وبين الرجال.
الذكر: قد يكتفي بالاسم البيولوجي، أو يقف متفرجاً بارداً أمام انهيار شريكة حياته، يراقبها وهي تتهاوى تحت وطأة الضغوط ثم يحاسبها على ردة فعلها، متخندقاً خلف أعذار واهية وقساوة قلب مريبة.
الرجل الحقيقي: هو الذي يعلم جيداً أن بناء البيوت وعمارها لا يقاس بكم النقود، بل بحجم الأمان، وبالمواقف الصلبة، وبالمشاركة الواعية. الرجل الحقيقي يدرك أن حماية استقرار زوجته النفسي والعقلي هي الخط الدفاعي الأول عن أطفالهما، فيقف معها درعاً وسنداً، لا عبئاً إضافياً يثقل كاهلها.
سجل الدم: حين تلتقي القسوة باللاوعي↓
إذا كان هذا هو حال الأم "السوية" الفاضلة التي تنفد صبرها وتنهار أعصابها تحت سيل الضغوط وغياب الشريك، فما بالك بالأمهات غير السويات؟ أولئك اللواتي يحملن أصلاً أعطالاً نفسية عميقة وتاريخاً من التصدع؟
حين يُترك طفل رضيع بين يد أم مأزومة، محطمة نفسياً، وغير مؤهلة، ومعزولة تماماً في بيئة تخلو من أي احتواء أو رقابة زوجية حقيقية، فإننا لا نكون أمام مجرد "خطأ تربوي"، بل أمام قنبلة موقوتة مهيأة للانفجار في وجه من لا حول له ولا قوة.
هذه المآسي ليست سوى قمة جبل جليدي مرعب؛ من أب يقيد طفلته بسلاسل معدنية بحجة "التأديب"، إلى أم تترك رضيعها فريسة لكسور الإهمال والهزّ المستمر. الشريك الذي ينعزل في برجه العاجي تاركاً زوجته لقمة سائغة لضغوط الحياة، هو الشريك الأول في كل صفعة تتلقى البراءة خلف الأبواب المغلقة.

حروب العبث: حين يُتخذ الأبناء دروعاً بشرية للانتقام ↓
إن ما تقشعر له الأبدان حقاً، ونلمحه رأي العين ونسمع عنه في مآسي هذه السنوات الأخيرة، يتجاوز حدود الضغط النفسي العابر ليصل إلى تخوم التوحش المنظم؛ أمهات يقتلن أبناءهن بدم بارد أو يعاملنهم بغرابة وجفاء مرعب وكأنهم أعداء ألداء لهن! وآباء يتفننون في تعذيب صغارهم "عندا" في زوجاتهم، متجردين من أبسط مشاعر الأبوة، ليتحولوا إلى خونة يخوضون حرباً ظالمة هم من أشعلوا فتيلها باختياراتهم الخاطئة.
والطامة الكبرى أنهم لا يكتفون بهذا العبث، بل يصبون جام غضبهم ويعاقبون بلا رحمة من لا ذنب له سوى أنه وُلد ضحيةً لزلات كبارٍ اشتركوا مجتمعين في صناعة هذه المأساة، ثم تركوا البراءة تدفع الثمن دماً ودموعاً.
الحساب المؤجل على عتبة الضمير↓
إن مواجهة هذه الكوارث لا تتطلب فقط إدانة الأمهات اللواتي فقدن السيطرة، بل تستوجب إعادة تفعيل الضمير الغائب لدى أزواج تنصلوا من أبسط قواعد المروءة. إن إيصال المرأة إلى حافة الجنون أو الانهيار المطلق عبر الإهمال والتخلّي هو خيانة صريحة لعقد الشراكة الإنسانية قبل الدينية.
حين يفقد البيت معناه كملاذ آمن، ويتحول إلى زنزانة من الضغط النفسي المطلق، تضيع البراءة، وتتكسر الأرواح، ولا ينفع الندم حين تفوت الأوان. فلتستيقظ الضمائر، قبل أن يبتلع الصمت ما تبقى من ملامح الإنسانية في بيوت أنهكها غياب الرجال الحقيقيين...
تابع جديد Hanaa Moussa Jadallah
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق