أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الصحة النفسية

لماذا نخشى العمق ؟

كيف تحولت العلاقات الإنسانية في عصرنا الرقمي إلى سلع استهلاكية سريعة ومؤقتة تشبه طلبات "الدليفري"، حيث يهرب الناس من عمق الالتزام ومواجهة الشروخ البسيطة، مستبدلين الحوار الإنساني الحقيقي بزر "الحظر" السهل ووهم الوفرة اللانهائية. ويؤكد المقال أن الروح الإنسانية

Hanaa Moussa JadallahHanaa Moussa Jadallahالكاتب 3 د للقراءة 0.00 المراجعات
لماذا نخشى العمق ؟

    حين تصبح القلوب للاستعمال الواحد: لماذا نخشى العمق؟

​خلال الفترة الماضية، تواصل معي الكثيرون عبر الرسائل الخاصة محملين بذات الوجع، ونفس الحيرة، والتساؤل الخفي الذي يؤرق عقولنا بصمت بالغ.. ومن هنا شعرت أن الصمت حيال فكرة نعيش تفاصيلها وقائع يومية بات خيانة صريحة لمعاناتنا المشتركة، وتخلّياً عن دورنا في تفكيك هذا الخراب الصامت الذي يغزو أرواحنا.

​"في عصر نطلب فيه أي شيء بضغطة زر ليصلنا إلى الباب في دقائق... هل تسربت هذه العدوى إلى قلوبنا، فصرنا نتعامل مع البشر بمنطق الاستهلاك والترك؟" 

image about لماذا نخشى العمق ؟

​    مفارقة القلوب الهشة ↓

​إن الإنسان بطبيعته كائن عميق بطهاره وبنيته، والبناء العاطفي الحقيقي يحتاج إلى وقت، وصبر طويل، وقبول شجاع لكل العيوب والنتوءات التي تملأ أرواحنا. لكن ما نعيشه اليوم يشبه تماماً "العلاقات سريعة التجهيز"؛ ارتباطات خفيفة سطحية في بداياتها، لكنها قابلة للاستبدال الفوري عند أول مطب طفيف أو خلاف جاد.

​الناس باتت تخاف من "العمق"، لأن العمق يفرض التزامات ثقيلة، والالتزام يتطلب مسؤولية نفسية لا قدرة للبعض على حملها، بينما تُدار المساحات العاطفية اليوم بمنطق التجارة السريعة ورأس المال العاطفي: مكسب فوري أو هروب فوري. نحن نخشى أن نرى ذواتنا العارية والصادقة في عيون الآخرين، فنكتفي بالوقوف عند السطح؛ حيث لا أثمان تُدفع، ولا خسارات موجعة تُحسب.

​خسارة المعنى وسط زحام البدائل الوهمية ↓

​المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في سرعة العلاقات، بل في الوهم الكبير الذي تبيعه لنا وسائل التكنولوجيا الحديثة؛ وهو وهم "الوفرة اللانهائية". الإنسان أصبح يعتقد واهماً أن بإمكانه إيجاد نسخة أفضل من شريكه، أو صديقه، أو حتى من ذاته بضغطة واحدة على شاشة هاتف ذكي. هذا الوهم القاسي قتل لدينا القدرة على الاحتمال، وأفقدنا الصبر على تهذيب الشروخ الصغيرة وترميم ما أفسدته الأيام، متسائلين بغباء مؤلم: لماذا نصلح ما يمكننا استبداله فوراً وبكل سهولة؟

​زر "الحظر" السهل ↓

​صار من الأسهل كثيراً على أي شخص أن ينهي حكاية طويلة بضغط زر "حظر" أو "تجاهل"، بدلاً من الجلوس بشجاعة، والنقاش، ومحاولة ترميم الشروخ البسيطة التي أحدثتها رياح الأيام. لقد استبدلنا لغة الحوار الإنساني الحقيقي بلغة الإلغاء السريع؛ هرباً تضليلياً من مواجهة أنفسنا في مرآة الآخرين، لنختار دوماً طريق النجاة القصير والجبان، كأننا نجرب إنساناً كما نجرّب سلعة تجارية: إن أعجبتنا أكملنا، وإن ظهر أول عيب أو تقصير.. استبدلناها بغيرها بلا رجفة ضمير. وكأننا نتحول تدريجياً إلى مسوخ باردة تعيش بصدور فارغة تماماً، تحمل قلوبها في كفوفها بلا اكتراث أو حياة.

​مساحة للتأمل ↓

​العلاقات الحقيقية لا تأتي أبداً جاهزة في قوالب ميكانيكية ولا تُصنع بالعجلة؛ فالروح الإنسانية تتربى وتزهر بالصبر، والقلوب التي ترتعب دائماً من فكرة "الخدش" لن تعرف أبداً طعم الدفء الحقيقي ولا الأمان المستدام. إننا لا نبحث عن الكمال الوهمي، بل نبحث عن الشجاعة الكافية لنبقى حين يشتد البرد والعاصفة، ونواجه هشاشتنا الإنسانية بشجاعة بدلاً من الهروب المستمر.

​• برأيك لماذا أصبحنا نستسهل النهايات ونستخلِص المجهود ونستخسره في البقاء؟ شاركوني أفكاركم...

تابع جديد Hanaa Moussa Jadallah

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق