الدوخة عند الوقوف المفاجئ رسالة خفية من الجسد لا يجب تجاهلها
الدوخة عند الوقوف المفاجئ رسالة خفية من الجسد لا يجب تجاهلها

الصورة تعبر عن حالة شائعة يعيشها عدد كبير من الناس في مختلف الأعمار وهي الدوخة عند الوقوف المفاجئ وهي حالة يشعر فيها الإنسان بثقل في الرأس وعدم اتزان وتشوش في الرؤية وقد تصل في بعض الأحيان إلى الإغماء الكامل وهذه الحالة لا تأتي من فراغ بل تكون نتيجة أسباب جسدية ونفسية متداخلة وتظهر غالبا عندما ينتقل الجسم بسرعة من وضعية الجلوس أو الاستلقاء إلى وضعية الوقوف فيحدث خلل مؤقت في توازن ضغط الدم وتدفقه إلى الدماغ فيشعر الإنسان بأن الدنيا تدور من حوله وكأن الأرض تميد تحت قدميه وهذا الشعور قد يستمر لثوان قليلة وقد يطول عند بعض الناس حسب السبب والحالة الصحية العامة
السبب الأساسي لهذه الحالة في أغلب الأحيان هو ما يعرف بهبوط الضغط الانتصابي وهو انخفاض مفاجئ في ضغط الدم عند الوقوف حيث يكون الدم متجمعا في الأطراف السفلية بفعل الجاذبية ولا يستطيع القلب والأوعية الدموية التكيف بسرعة كافية لضخ كمية مناسبة من الدم إلى الدماغ فيحدث نقص مؤقت في الأكسجين الواصل إلى المخ فينتج عنه الدوار وتشوش الرؤية والشعور بالضعف وقد يصاحبه تعرق أو غثيان أو خفقان في القلب وهذا النوع من الدوخة شائع جدا بين كبار السن لكنه قد يصيب الشباب أيضا خاصة من يعانون من الإرهاق أو الجفاف أو سوء التغذية
من أهم الأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة هو الجفاف فالجسم عندما يفقد كمية كبيرة من السوائل بسبب قلة شرب الماء أو التعرق الزائد أو الإسهال أو القيء يقل حجم الدم في الأوعية وبالتالي يصبح من الصعب الحفاظ على ضغط دم ثابت عند تغيير الوضعية وهذا يجعل الشخص أكثر عرضة للدوخة عند الوقوف كما أن الصيام لفترات طويلة دون تعويض السوائل قد يزيد من احتمالية حدوث هذه المشكلة خاصة في الجو الحار أو مع المجهود البدني
نقص السكر في الدم أيضا من الأسباب الشائعة للدوخة عند الوقوف فالجسم يعتمد على الجلوكوز كمصدر أساسي للطاقة وعندما ينخفض مستواه يشعر الإنسان بالضعف والدوار وعدم التركيز وقد يزداد هذا الشعور عند الوقوف المفاجئ لأن المخ يكون أكثر حساسية لنقص الطاقة لذلك نجد هذه الحالة منتشرة بين من يهملون وجباتهم أو يعتمدون على نظام غذائي غير منتظم أو مرضى السكري الذين لا يضبطون مستويات السكر لديهم بشكل جيد
فقر الدم يعتبر سببا مهما كذلك حيث يؤدي نقص الهيموجلوبين إلى ضعف قدرة الدم على نقل الأكسجين إلى الأنسجة ومنها الدماغ وبالتالي يشعر المصاب بالدوخة والإرهاق المستمر وتزداد الأعراض عند الوقوف أو بذل مجهود بسيط وقد يكون فقر الدم ناتجا عن نقص الحديد أو الفيتامينات أو بسبب نزيف مزمن أو أمراض مزمنة أخرى وهذه الحالة منتشرة خاصة بين النساء بسبب فقدان الدم أثناء الدورة الشهرية أو الحمل
مشاكل القلب يمكن أن تكون سببا خطيرا للدوخة عند الوقوف فاضطرابات ضربات القلب أو ضعف عضلة القلب أو ضيق الصمامات قد تؤدي إلى عدم قدرة القلب على ضخ الدم بكفاءة كافية عند تغيير الوضعية فيحدث نقص مفاجئ في تدفق الدم إلى المخ وهذا النوع من الدوخة غالبا ما يكون مصحوبا بأعراض أخرى مثل ألم الصدر أو ضيق التنفس أو الخفقان الشديد وهنا يجب عدم تجاهل الأمر واللجوء إلى الطبيب فورا
الجهاز العصبي له دور كبير في تنظيم ضغط الدم ومعدل ضربات القلب وأي خلل فيه قد يؤدي إلى هذه الحالة فبعض الأمراض العصبية تؤثر على الأعصاب المسؤولة عن انقباض الأوعية الدموية عند الوقوف مما يمنع الجسم من التكيف السريع مع الوضع الجديد ومن هذه الأمراض اعتلال الأعصاب اللاإرادية والذي قد يحدث عند مرضى السكري أو بعض الأمراض العصبية المزمنة
الحالة النفسية لها تأثير لا يستهان به فالقلق والتوتر المزمن ونوبات الهلع قد تسبب شعورا بالدوخة وعدم الاتزان خاصة عند الوقوف حيث يزداد معدل التنفس ويحدث خلل في نسبة الأكسجين وثاني أكسيد الكربون في الدم مما يؤدي إلى الشعور بالدوار وكأن الشخص سيفقد الوعي رغم أن الفحوصات الطبية قد تكون سليمة تماما وهذا النوع من الدوخة غالبا ما يكون متكررا ويصاحبه شعور بالخوف أو تسارع ضربات القلب
قلة النوم والإرهاق الشديد من العوامل المهمة أيضا فالجسم عندما لا يحصل على قسط كاف من الراحة يصبح أقل قدرة على تنظيم وظائفه الحيوية بكفاءة ومن بينها ضغط الدم لذلك نجد أن الأشخاص الذين يسهرون كثيرا أو يعملون لساعات طويلة دون راحة يعانون من الدوخة عند الوقوف بشكل متكرر خاصة في الصباح
بعض الأدوية قد تكون سببا مباشرا لهذه الحالة مثل أدوية ضغط الدم والمدرات البولية وأدوية الاكتئاب وبعض أدوية القلب حيث تؤثر هذه الأدوية على ضغط الدم أو معدل ضربات القلب وقد تسبب هبوطا مفاجئا عند الوقوف لذلك من المهم مراجعة الطبيب عند الشعور بالدوخة بعد بدء دواء جديد وعدم إيقاف الدواء من تلقاء النفس
نقص بعض الفيتامينات والمعادن مثل فيتامين ب اثني عشر والمغنيسيوم والبوتاسيوم قد يؤدي أيضا إلى الشعور بالدوخة وضعف العضلات وعدم الاتزان وهذه النواقص قد تكون نتيجة سوء التغذية أو مشاكل في الامتصاص أو أمراض مزمنة وتظهر الأعراض بشكل أوضح عند الوقوف أو بذل مجهود بسيط
الدوخة عند الوقوف قد تكون بسيطة وعابرة عند بعض الناس ولا تدل على مشكلة خطيرة لكنها في حالات أخرى قد تكون إنذارا مبكرا لمشكلة صحية تحتاج إلى تدخل لذلك لا يجب الاستهانة بها خاصة إذا كانت متكررة أو شديدة أو مصحوبة بإغماء أو سقوط أو تشنجات أو اضطراب في الكلام أو الرؤية
للوقاية من هذه الحالة ينصح بالقيام من الجلوس أو النوم ببطء وعدم الوقوف المفاجئ خاصة بعد الاستيقاظ من النوم كما يفضل الجلوس على طرف السرير لبضع ثوان قبل الوقوف وشرب كمية كافية من الماء على مدار اليوم والحرص على تناول غذاء متوازن غني بالحديد والفيتامينات وتنظيم مواعيد الوجبات والنوم الجيد وتقليل التوتر والقلق قدر الإمكان
في النهاية الصورة تعكس واقعا يمر به كثير من الناس يوميا وقد يظنونه أمرا عاديا بينما هو في الحقيقة رسالة من الجسد تطلب الانتباه والفهم والعلاج الصحيح فالاستماع للجسم ومعرفة أسبابه والتعامل معها بوعي قد يمنع تطور المشكلة ويحمي الإنسان من مضاعفات خطيرة قد تبدأ بدوخة بسيطة وتنتهي بإصابة أو إغماء مفاجئ لذلك الوعي بهذه الحالة وأسبابها هو الخطوة الأولى نحو حياة أكثر صحة وتوازنا