لماذا أكتب عن التوعية الصحية في الأمراض المزمنة؟ من غرف الإنعاش إلى ساحة الوعي
لماذا أكتب عن التوعية الصحية في الأمراض المزمنة؟ من غرف الإنعاش إلى ساحة الوعي
في عالم تتسابق فيه التكنولوجيا مع الطب، وتُحدث فيه الأجهزة ثورة في التشخيص والعلاج، يبقى هناك عنصر بسيط لكنه جوهري، لا يُمكن لأي جهاز أن يعوّضه: الوعي.
لأن المرض المزمن لا يعلن نفسه بصوت مرتفع، ولا يدق على باب الطوارئ في بدايته، بل يتسلل بهدوء، ويترسخ بصمت، حتى يُصبح أقوى من الجسد وأقسى من العلاج.
من أنا؟ ولماذا أكتب؟
أنا طبيب عام أعمل في الميدان الصحي منذ ثمان سنوات، تنقلت خلالها بين الاستعجالات، الإنعاش، طب الأطفال، الجراحة، ومتابعة المرضى في مختلف المصالح الاستشفائية. ومع الوقت أدركت حقيقة لا تُكتب في المناهج الطبية:
المشكلة الصحية لا تبدأ دائمًا مع المرض… بل مع غياب الوعي به.
في غرف الانتظار، تسمع الأسئلة نفسها. في العيادات، ترى الأخطاء نفسها. وفي الميدان، تدرك أن كثيرًا من المضاعفات كان يمكن تجنبها لو وُجدت المعرفة قبل الدواء.

قصة واحدة… كانت نقطة التحول
من بين الحالات التي شكلت مفترقًا في مساري قصة رجل في الأربعين من عمره، كان مصابًا بالربو. لم يكن المرض جديدًا عليه، ولم يكن خطيرًا في بداياته، ولم تكن لديه عوامل خطر معقدة. لكنه لم يكن يدرك معنى المرض المزمن، ولا معنى الوقاية، ولا معنى العلاج الوقائي.
كان يكرر تلك العبارة الشهيرة:
“طالما أنني بخير اليوم… لا شيء يدعو للقلق.”
هذه هي الفجوة الأخطر في الأمراض المزمنة:
الفجوة بين وجود المرض، وإدارته.

تدهورت حالته تدريجيًا حتى لم يعد البخاخ كافيًا، ولا المنزل آمنًا، وانتقل من غرفة نومه إلى جهاز التنفس الاصطناعي، ومن الحديث مع عائلته إلى الصمت العميق. بقي 45 يومًا في العناية المركزة، ولم يخرج منها.
ليست تلك الحكاية عن الموت، بل عن الإهمال. وليست عن ضعف الطب، بل عن نقص الوعي.
وهي اللحظة التي أدركت فيها أن الكتابة ليست مجرد هواية، بل واجب طبي آخر خارج المستشفى.
ما معنى التوعية الصحية في الأمراض المزمنة؟
بحسب دليل التوعية الصحية للعاملين في مجال الرعاية الصحية الصادر عن المركز العربي لتأليف وترجمة العلوم الصحية، فإن التوعية الصحية هي:
“عملية منظمة تهدف إلى مساعدة الأفراد والمجتمعات على فهم صحتهم وتبنّي سلوكيات صحية إيجابية والوقاية من الأمراض.”
في الأمراض المزمنة، لا يكون العلاج مجرد وصفة طبية، بل:
✓ فهم
✓ متابعة
✓ وقاية
✓ التزام
✓ تعديل نمط الحياة
وهنا يكمن الفرق بين:
مريض يعالج مرضه
و
مريض يدير مرضه
الأول ينتظر الأزمة ليتدخل، والثاني يمنعها قبل أن تبدأ.
لماذا نحتاج التوعية الصحية اليوم؟
لأن:
● الجهل يُحوّل المرض البسيط إلى مرض قاتل
● والخوف ينشأ من نقص المعلومة
● والمريض الواعي يتخذ قرارات صحية أفضل
● والنظام الصحي يعاني عندما يغيب الوعي
● والمجتمعات الذكية صحيًا أكثر قدرة على الوقاية من الأوبئة والأمراض المزمنة
في كثير من الحالات، العلاج يُنقذ فردًا… لكن التوعية الصحية تُنقذ مجتمعًا.
ماذا أقدّم في هذه المساحة؟
وجودي هنا ليس للتشخيص عبر الإنترنت ولا لتقديم استشارات طبية بديلة، بل لأقدّم:
✓ تبسيطًا للأمراض المزمنة الشائعة
✓ شرحًا للفحوصات الطبية والأدوية
✓ تصحيحًا للمفاهيم الصحية المغلوطة
✓ توعية وقائية عملية
✓ فهمًا للعلاقة بين المريض ومرضه
بلغة يفهمها غير المختص، دون تعقيد ولا تهويل.

أكثر من مجرد كتابة… بل مسؤولية
نحن نُدرّس الطب في الجامعات، لكننا نادرًا ما نُدرّس الصحة للمجتمع.
نُتقن الإنعاش، لكننا نغفل عن الوقاية.
نحارب في غرف الطوارئ، لكننا نخسر معارك في البيوت قبل أن تبدأ.
لهذا أكتب هنا.
ولهذا أعتبر أن التوعية الصحية في الأمراض المزمنة ليست خيارًا، بل ضرورة.
مصادر عربية موثوقة لمن يرغب في التوسع
• وزارة الصحة السعودية – الربو
https://www.moh.gov.sa/HealthAwareness/EducationalContent/Chronic/Pages/Asthma.aspx
• منصة صحة – الأمراض المزمنة
https://www.seha.sa/health-encyclopedia
• مايو كلينك (العربية)
الخاتمة
في نهاية الأمر، المرض المزمن لا يقتل لشدته فقط، بل لإهماله.
والأدوية لا تعمل وحدها دون فهم.
والمستشفيات ليست الجبهة الأولى للوقاية… بل الوعي هو الخط الأول.
هذه ليست نهاية القصة، بل بدايتها.
وبالنسبة لي، الكتابة ليست مجرد مقال… إنها محاولة صغيرة لإحداث فرق قبل أن يصل المرض إلى سرير الإنعاش.