فيروس نيباه: خطر صحي ناشئ يثير قلق العالم
مقدمة
يُعدّ فيروس نيباه (Nipah virus) أحد أخطر الفيروسات الناشئة التي تمثّل تهديدًا متزايدًا للصحة العامة على المستوى العالمي، نظرًا لارتفاع معدل الوفيات المرتبط به وقدرته على التسبب في تفشيات وبائية مفاجئة. وهو فيروس حيواني المنشأ ينتقل في الغالب من الحيوانات إلى البشر، إما عبر التماس المباشر أو من خلال استهلاك أغذية ملوّثة.
أُطلق اسم "نيباه" على الفيروس نسبةً إلى قرية Sungai Nipah في ماليزيا، حيث سُجِّلت أول فاشية له عام 1998. وينتمي الفيروس إلى عائلة Paramyxoviridae وجنس Henipavirus، الذي يضم أيضًا فيروس هندرا (HeV) وفيروس سيدار الذي تم وصفه مؤخرًا. وبسبب خصائصه الإمراضية العالية وقدرته على إصابة طيف واسع من الثدييات، صُنِّف فيروس نيباه من قِبل منظمة الصحة العالمية ضمن مسببات الأمراض ذات الأولوية التي تتطلب جهودًا عاجلة في مجالي البحث والتطوير.
ومنذ اكتشافه، تسبّب فيروس نيباه في عدة فاشيات في مناطق جنوب وجنوب شرق آسيا، وأثبت قدرته على الانتقال من الحيوانات إلى البشر، بل ومن إنسان إلى آخر، مما يثير مخاوف حقيقية بشأن احتمالية تحوله إلى تهديد وبائي واسع النطاق. ويهدف هذا المقال إلى استعراض الخصائص الوبائية والسريرية لفيروس نيباه، وطرق تشخيصه وعلاجه، إلى جانب استراتيجيات الوقاية والسيطرة على العدوى.[1]
مصدر الفيروس وطرق انتشاره:
تعتبر الخفاشات الثمرية من جنس *Pteropus* الخزان الطبيعي لفيروس نيباه وللأنواع المرتبطة به وينتقل بعدة طرق من بينها:[2]
استهلاك فواكه أو عصائر ملوثة بإفرازات الخفافيش.
الاحتكاك المباشر بالحيوانات المصابة مثل الخنازير.
الانتقال من إنسان إلى آخر عبر السوائل الجسدية أو المخالطة المباشرة
وتشير الأبحاث إلى أن الأنشطة البشرية، مثل التوسع الزراعي وتكثيف المزارع، لعبت دورًا رئيسيًا في زيادة فرص انتقال فيروس نيباه وانتشاره من الحيوانات إلى البشر.
الأعراض السريرية:
تتراوح أعراض الإصابة بفيروس نيباه بين الخفيفة والشديدة، وتشمل: [3]
حمى
السعال والزكام وضيق التنفّس من أكثر الأعراض التنفسية التي تم الإبلاغ عنها
آلام البطن والإسهال والتهاب المعدة والإمساك في عدد قليل فقط من الحالات
التهاب الدماغ الحاد (Encephalitis)، الذي قد يؤدي إلى تشنجات، فقدان الوعي، أو غيبوبة
قد تكون الإصابة بفيروس نيباه لبعض الأشخاص دون أعراض

خطورة الفيروس ومعدل الوفيات:
يُعد فيروس نيباه من الأمراض عالية الخطورة بمعدل وفيات يتراوح بين 40% و75% في الحالات المبلغ عنها، حسب البيانات الوبائية. وتختلف النسبة بحسب جودة الرعاية الصحية والتدخل المبكر.[2]
التشخيص و العلاج:
يُعتبر تفاعل البوليميراز المتسلسل في الوقت الحقيقي (RT-PCR) الفحص التشخيصي الأساسي، حيث يُجرى على عينات مأخوذة من الجهاز التنفسي، أو الدم، أو السائل الدماغي الشوكي عبر البزل القطني. كما يمكن دعم التشخيص من خلال الكشف عن الأجسام المضادة في الدم باستخدام اختبار المقايسة المناعية المرتبطة بالإنزيم (ELISA) [4]
بالإضافة إلى ذلك، يمكن تشخيص فيروس نيباه باستخدام مجموعة من التقنيات المخبرية المتقدمة، تشمل عزل الفيروس، والفحص النسيجي المرضي، والكيمياء المناعية النسيجية، والاختبارات المصلية، والاختبارات التشخيصية الجزيئية، والتي تُجرى جميعها في مختبرات متخصصة ومجهزة وفق معايير السلامة الحيوية [3]
يقتصر التعامل العلاجي مع عدوى فيروس نيباه في الوقت الراهن على العلاج الداعم، نظرًا لعدم توفر أدوية مضادة للفيروسات مخصصة أو لقاحات معتمدة حتى الآن. وخلال بعض الفاشيات السابقة، جرى استخدام أدوية مثل الريبافيرين والأسيكلوفير في محاولة للحد من شدة المرض. [3]
وفي أثناء الفاشية التي سُجلت في ماليزيا، تم إعطاء الريبافيرين للمرضى المصابين بالتهاب الدماغ الناجم عن فيروس نيباه، سواء عن طريق الفم أو عن طريق الوريد، وأظهرت النتائج انخفاضًا في معدل الوفيات وصل إلى نحو 36% بين المرضى الذين تلقوا هذا العلاج، مقارنة بغيرهم. [3]
لقد أظهرت بعض الدراسات المخبرية أن Chloroquine يمتلك قدرة على تثبيط فيروس نيباه في زراعات الخلايا، إلا أن هذه النتائج لم تُؤكَّد في النماذج الحيوانية. [5]
في المقابل، أظهر دواء Favipiravir نتائج علاجية فعّالة عند استخدامه في نموذج الهامستر المصاب بعدوى فيروس نيباه [5]
الوقاية ومكافحة العدوى:
يُعدّ التطعيم الوسيلة الأهم للوقاية من الإصابة بالفيروسات عمومًا، إلا أنه لا تتوفر حتى الآن لقاحات أو أدوية معتمدة للوقاية أو العلاج من عدوى فيروس نيباه (NiV) . [5]
يقتصر التعامل مع حالات الإصابة بفيروس نيباه حاليًا على الرعاية الداعمة والوقائية. [5]
تشمل التدابير السريرية الأساسية:
الوقاية من الخثار الوريدي.
الحفاظ على توازن السوائل والشوارد في الجسم.
ضمان سلامة مجرى الهواء.
استخدام التهوية الميكانيكية عند الحاجة.
يُلجأ إلى إعطاء المضادات الحيوية واسعة الطيف للمرضى المصابين، بهدف الوقاية من العدوى البكتيرية الثانوية.
إلى جانب اللقاحات والعلاجات، تُعدّ الاستراتيجيات غير الدوائية عنصرًا أساسيًا في الحد من انتقال عدوى فيروس نيباه بين البشر والسيطرة عليها.
أوصت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة (CDC) بمجموعة من الإجراءات الوقائية، من أبرزها: [5]
غسل اليدين بانتظام بالماء والصابون.
تجنّب مخالطة الخفافيش المريضة أو الحيوانات الأخرى المعروفة بنقل الفيروس، مثل الخنازير.
الابتعاد عن الأماكن التي يُعرف بوجود الخفافيش فيها.
تجنّب ملامسة الدم أو سوائل الجسم للأشخاص المشتبه أو المؤكد إصابتهم بفيروس نيباه.
الامتناع عن شرب عصارة التمر النيئة نظرًا لاحتمالية تلوثها بإفرازات الخفافيش.
الخاتمة:
يُعدّ فيروس نيباه (NiV) من التهديدات الصحية الناشئة نظرًا لارتفاع إمراضية وغياب اللقاحات والعلاجات المعتمدة حتى الآن. ويستلزم الحد من مخاطر انتشاره فهمًا أدق لآليات إحداث المرض، إلى جانب اعتماد استراتيجيات وقائية قائمة على التعاون بين التخصصات الصحية المختلفة. كما تمثّل التوعية المجتمعية، وتعزيز إجراءات العزل والتعقيم، وتوفير البنية التحتية والكوادر المدرّبة عناصر أساسية للاستجابة السريعة للفاشيات. ويظل تطوير اللقاحات والعلاجات المضادة للفيروسات مرهونًا بتكثيف الأبحاث والمراقبة المستمرة للعوائل الخازنة والحيوانات والبشر. [5]
المراجع:
[1] Aditi, & Shariff, M. (2019). Nipah virus infection: A review. Epidemiology and Infection, 147, e95. doi:10.1017/S0950268819000086
[2] Epstein, J.H., Field, H.E., Luby, S. et al.(2006). Nipah virus: Impact, origins, and causes of emergence.Current Infectious Disease Reports, 8(1), 59–65 . https://doi.org/10.1007/s11908-006-0036-2
[3] Sharma, V., Kaushik, S., Kumar, R., Yadav, J. P., & Kaushik, S. (2018). Emerging trends of Nipah virus: A review. Reviews in Medical Virology, 29(1). Portico. https://doi.org/10.1002/rmv.2010
World Health Organization. (2026, January 29),Nipah virus (Fact sheet) [4]
U rmi, T. J., Dewan, S. M. R., Rahman, J. M., Sharmin, S. N., & Hassan, M. M. (2023).Development of preventive measures and treatment strategies against Nipah virus is a timely need: Bangladeshi perspective. Clinical Pathology,16,1–10.doi:10.1177/2632010X231183314 [5]