الحياة ليست قيد الانتظار لماذا نؤجل العيش حتى نفقده؟

الحياة ليست قيد الانتظار لماذا نؤجل العيش حتى نفقده؟

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الحياة ليست قيد الانتظار
هناك من يعيش عمره وكأنه في صالة انتظار طويلة. يستيقظ كل صباح، ينجز ما عليه، يؤدي واجباته، لكنه في داخله يشعر أن حياته الحقيقية لم تبدأ بعد. يقنع نفسه أن ما يعيشه الآن مجرد مرحلة مؤقتة، وأن اللحظة المهمة ستأتي لاحقًا، حين تتحقق شروط معينة رسمها في ذهنه منذ سنوات. يعيش على فكرة أن اليوم مجرد تمهيد، وأن الغد هو الحدث الرئيسي.

يقول لنفسه: عندما أحصل على الوظيفة الأفضل سأرتاح. عندما أنتهي من الدراسة سأبدأ بالاستمتاع. عندما أتحسن ماديًا سأسمح لنفسي أن أفرح. عندما أصبح أكثر جاهزية سأغامر. وعندما أصل إلى النسخة “الأفضل” مني، سأعيش كما يجب. لكن هذه الـ “عندما” لا تنتهي أبدًا، بل تتبدل وتتضخم، وكلما اقترب من شرطٍ ما، اخترع شرطًا جديدًا يؤجل به حياته مرة أخرى.

المشكلة ليست في الطموح، ولا في السعي لتحسين الواقع، فذلك أمر طبيعي وصحي. المشكلة تبدأ حين يتحول المستقبل إلى شماعة نعلّق عليها حقنا في العيش الآن. نؤجل الفرح بحجة الانشغال، نؤجل الحب بحجة عدم الاكتمال، نؤجل الراحة لأننا لم نحقق ما يكفي بعد. نتعامل مع السعادة وكأنها جائزة نهاية الطريق، لا رفيقة الطريق.

في الظاهر يبدو هذا السلوك مسؤولية وانضباطًا. لكن في العمق غالبًا ما يكون خوفًا صامتًا. خوف من الفشل، من التجربة، من أن نخوض خطوة لا نضمن نتيجتها. نخشى أن نحاول فنكتشف أننا لسنا مستعدين كما كنا نعتقد. نخاف من نظرة الآخرين إذا تعثرنا. لذلك نختار الانتظار. نختار التحضير الطويل بدل الدخول الفعلي. نختار الأمان المؤقت بدل المغامرة الحقيقية.

ومع مرور الوقت يتحول التأجيل إلى عادة راسخة. تصبح عبارة “لسّا مو وقته” ردًا تلقائيًا على أي فرصة. نعتاد تأجيل المكالمات، المشاريع، الأحلام، وحتى الاعتراف بمشاعرنا. فنعيش سلسلة طويلة من الاستعدادات دون أن نبدأ فعلًا. وكأننا نتدرب على الحياة بدل أن نعيشها.

image about الحياة ليست قيد الانتظار لماذا نؤجل العيش حتى نفقده؟
الحياة لا تتوقف احترامًا لترددنا. الوقت لا يمنحنا إشعارًا قبل أن يمضي.كل يوم يمر هو قطعة من العمر، سواء ملأناه بالتجربة أو تركناه فارغًا. والمفارقة أننا حين ننظر إلى الوراء، لا نندم على المحاولات التي فشلت بقدر ما نندم على الفرص التي لم نعطها فرصة أصلًا. الألم الحقيقي ليس في السقوط، بل في البقاء واقفين خوفًا من السقوط.

لا أحد يصل إلى مرحلة يصبح فيها كاملًا ومستعدًا تمامًا. دائمًا سيكون هناك نقص، ظرف غير مثالي، خوف بسيط يهمس في الداخل. الفرق بين من يعيش ومن ينتظر أن الأول يتحرك رغم هذا النقص، بينما الثاني يجعله مبررًا للتأجيل. الحياة لا تشترط الكمال، بل تتطلب الحضور.

أن تعيش الآن لا يعني أن تتخلى عن أهدافك، بل أن لا تجعل مستقبلك يسرق منك حاضرك. أن تفرح وأنت تسعى، لا بعد أن تنتهي. أن تحب وأنت تتعلم، لا بعد أن تكتمل. أن تبدأ وأنت خائف، لا بعد أن يختفي الخوف. فالشجاعة ليست غياب الخوف، بل القرار بأن لا تجعله يتحكم بك.

ربما لا تحتاج إلى تغيير جذري لتكسر دائرة الانتظار. قد تكفي خطوة صغيرة اليوم، رسالة كنت تؤجلها، فكرة تبدأ بتنفيذها، قرار بسيط تقول فيه: سأعيش هذه اللحظة كما هي. لأن الحقيقة الواضحة التي نتجاهلها كثيرًا هي أن الحياة لا تبدأ لاحقًا. هي تحدث الآن، بكل نقصها وارتباكها وجمالها. وإذا لم نعشها وهي بين أيدينا، فلن نجدها محفوظة لنا في وقتٍ آخر.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Nawwara تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.