كيف تتعاملين مع غضبك في حياتك الزوجية دون أن تفقدي نفسك؟

كيف تتعاملين مع غضبك في حياتك الزوجية دون أن تفقدي نفسك؟

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

كيف تتعاملين مع غضبك في حياتك الزوجية دون أن تفقدي نفسك؟

أحيانًا لا ينتهي الخلاف بين الزوجين عندما يسود الصمت، بل يبدأ بعده. تغلق الزوجة باب الغرفة، وتجلس تستعيد الحوار كلمةً كلمة. تتمنى لو أنها لم ترفع صوتها، أو لو أنها اختارت كلمات أخرى، لكنها في الوقت نفسه تشعر أن ما بداخلها كان أكبر من أن تظل صامتة.

هذا المشهد يتكرر في بيوت كثيرة، وتسمعه العيادات النفسية بصور مختلفة. قد تقول امرأة: "لا أعرف ماذا يحدث لي عندما أغضب." وتقول أخرى: "بعد كل خلاف أندم، ثم أجدني أكرر الأمر نفسه." بينما تعبّر ثالثة عن خوفها بقولها: "أصبحت أقلق أن يتذكر أطفالي عصبيتي أكثر مما يتذكرون حناني."

ورغم اختلاف التفاصيل، يبقى السؤال واحدًا: لماذا يفقد بعضنا السيطرة على نفسه مع أقرب الناس إليه؟

الحقيقة أن الغضب ليس هو المشكلة. فهو انفعال إنساني فطري، خلقه الله في النفس لحكمة، ويساعد الإنسان أحيانًا على الدفاع عن نفسه أو التعبير عن رفضه للظلم. لكن الغضب، مثل النار، قد يمنح الدفء إذا بقي في موضعه، وقد يحرق إذا خرج عن السيطرة.

لماذا نغضب أكثر داخل البيت؟

من الملاحظ في العمل العلاجي أن الإنسان قد يتحمل من زميله في العمل أو من شخص غريب ما لا يتحمله من شريك حياته. وليس السبب أن العلاقة الزوجية أسوأ، بل لأنها أقرب.

كل علاقة قريبة تحمل معها توقعات لا تُقال دائمًا. ننتظر اهتمامًا، أو تقديرًا، أو كلمة طيبة، أو مشاركة في أعباء الحياة. وعندما لا تتحقق هذه التوقعات، لا ينفجر الإنسان في اللحظة نفسها غالبًا، بل يحتفظ بشيء من الضيق، ثم يضيف إليه موقفًا آخر، ثم آخر، حتى يأتي خلاف يبدو بسيطًا، لكنه يوقظ كل ما سبقه.

ولهذا قد يظن الزوج أو الزوجة أن المشكلة بدأت بسبب كلمة قيلت اليوم، بينما يكون الألم الحقيقي قد بدأ قبل أسابيع أو أشهر. وما الخلاف الأخير إلا الشرارة التي كشفت ما كان متراكمًا تحت السطح.

ليس الحدث وحده من يصنع الغضب

في الجلسات العلاجية يظهر أمر يتكرر كثيرًا؛ فالموقف نفسه قد يمر على شخصين، ويثير في كل واحد منهما شعورًا مختلفًا.

تأخر الزوج في الرد على رسالة، على سبيل المثال، قد تفسره زوجة بأنه مشغول، بينما تراه أخرى دليلًا على أنها لم تعد تحتل المكانة التي كانت تتمناها في حياته.

الفرق هنا ليس في الحدث، وإنما في المعنى الذي أُعطي له.

ولهذا نهتم في العلاج المعرفي السلوكي بالأفكار التي تسبق الانفعال. فالإنسان لا يستجيب للواقع كما هو دائمًا، بل يستجيب للصورة التي كوّنها عنه في ذهنه، وهذه الصورة قد تكون صحيحة، وقد تكون بحاجة إلى مراجعة.

خمس ثوانٍ قد تمنع ندمًا طويلًا

عندما تشعرين بأن الغضب بدأ يتصاعد، لا تحاولي أن تمنعيه بالقوة، ولا تسارعي إلى الرد.

يكفي أحيانًا أن تمنحي نفسك بضع ثوانٍ قبل أن تتكلمي، ثم تسألي نفسك:

هل ما فهمته هو التفسير الوحيد الممكن؟ أم أن هناك احتمالًا آخر لم أنتبه إليه؟

قد يبدو هذا السؤال بسيطًا، لكنه يمنح العقل فرصة للحضور قبل أن يقود الغضب الحوار. وكثير من الكلمات التي هدمت علاقات، كان يمكن ألا تُقال لو وجد صاحبها هذه الثواني القليلة.

ومن الجميل أن هذا المعنى نجده في هدي النبي ﷺ، إذ قال: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع».

وليس المقصود مجرد تغيير الهيئة، بل كسر اندفاع الانفعال. وما توصلت إليه دراسات علم الأعصاب في السنوات الأخيرة ينسجم مع هذا المعنى؛ إذ إن تغيير وضعية الجسد قد يساعد على تهدئة حالة الاستنفار التي يعيشها الجهاز العصبي أثناء الغضب، فيصبح الإنسان أقدر على التفكير قبل أن يتصرف.

الصبر لا يعني أن تصمتي دائمًا

من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح في الحياة الزوجية أن الصبر يعني كتمان المشاعر.

والواقع أن المشاعر التي تُدفن لا تختفي، وإنما تبحث عن طريق آخر لتخرج، وغالبًا ما تخرج في وقت لا يناسبها ولا تشبه صاحبها.

الصبر لا يعني أن تتنازلي عن حقك في التعبير، وإنما أن تختاري الوقت والطريقة المناسبين. هناك فرق كبير بين أن تتحدثي وأنت في ذروة الغضب، وبين أن تعبّري عن الألم نفسه بعد أن يهدأ الانفعال.

وفي العلاج النفسي توجد مهارة تُعرف باسم تحمل الضيق (Distress Tolerance)، وتعني قدرة الإنسان على احتمال المشاعر الصعبة لبعض الوقت دون أن يدفعه ذلك إلى تصرف يندم عليه لاحقًا. وهي مهارة يمكن تعلمها بالتدريج، وليست صفة يولد بها بعض الناس دون غيرهم.

وإذا أخطأتِ...

لن تخلو أي علاقة زوجية من لحظات يعلو فيها الصوت، أو تخرج فيها كلمات لا تليق بالمودة التي جمعت بين الزوجين.

لكن العلاقات لا تنهار بسبب وقوع الخطأ وحده، بل عندما يتحول الخطأ إلى عادة، أو عندما يغيب الاستعداد للاعتذار والمراجعة.

أن يراجع الإنسان نفسه، وأن يعترف بأنه تجاوز، وأن يحاول إصلاح ما أفسده، ليس ضعفًا، بل علامة نضج. والاعتذار الصادق لا يمحو الماضي، لكنه يفتح بابًا للمستقبل.

كلمة أخيرة

ربما لن نستطيع أن نمنع الغضب من أن يطرق أبواب بيوتنا، لكنه لا يصبح خطرًا إلا عندما يتولى قيادة كلماتنا وقراراتنا.

وفي كل مرة تتوقفين فيها قبل الرد، أو تراجعين تفسيرك لموقف أغضبك، أو تؤجلين النقاش حتى يهدأ قلبك، فأنت لا تكبتين مشاعرك، بل تمنحينها فرصة لتُعبّر عن نفسها بطريقة تحمي كرامتك، وتحفظ علاقتك، وتترك في بيتك أثرًا من السكينة يحتاجه الجميع.

image about كيف تتعاملين مع غضبك في حياتك الزوجية دون أن تفقدي نفسك؟
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Hend Mohamed تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-