اعترافات رجلٍ لا يشبه الإنسان
هَــلْـوَســۂ
الوضع يُشبه لحدٍ كبير، ارتطام نملة بمُذنب، يُشبه انهيار برج بسبب عطسة.
الوضع مُعقَد يا ألله !
مضّى إلى الآن سنهٌ وأربعه اشهر، وأثنا عشر يوماً، طيل هذه المُدة أنا حزينٌ. يُزعجني أنني لا أعرف لحزني علةً، ولا أعرف له دواء.
يقوم العالم ويجلس، وأنا حزين. لا شأن لي بالبقية، حزينٌ وحدي، أفقد شعور الإنسان حين أكون حزيناً.
دعنا نكُن صريحين -ياصاحبي-، متى آخر مرةٍ رأيتني فيها أشبه لحدٍ كبير الإنسان ؟ لا تذكر صحيح ؟ رُبما لم تراني قط أيضاً !
حسناً هل رأيت الوضع وماهو عليه الآن ؟ يُزعجني أنني لست إنساناً، وإن كنت -في قرارة نفسي- إنساناً، فأنا أكره أن أكون هكذا.
هل رأيتني حين أسير ؟ هل كنت أشبه غوريلا ما؟
أظنك تتسائل لمَّ أسأل سؤالاً كهذا ؟، وأرى في عينيك أنك بدأت تسمو في مراحل كرهي. هذا أمرٌ جيد بالنسبة لك. لطالما آمنت أن كرهي من الأفعال الإنسانية البحتّة.
مازلت لم تُجبني عن سؤال مشيتي !
أرى أنك تريد أن تسألني لماذا هذا السؤال ؟ وأرى أنك تريد أن تسألني كيف لي أن أرى الأسئلة في عينيك ؟ يا صديقي -الذي تعرفت عليه مُنذ الرابعة عصراً- أظنني نسيت إخبارك أنني أدرس علم النفس، وبالمُناسبة أنا فاشلٌ جداً، يوم أمس طلب مني شخص ما بتغير حياتي ، وأظنني أخفقت؛ لم تكن علامات وجهه مُرضيةً إلى حدٍ ما.
أنا أعتذر؛ فأنا -للمرة الأخرى- تجاهلت سؤال المشية. هل رأيتها تُشبه غيرها قبلاً ؟
أسألك هذا؛ لإنني أظن أن الإنسان قد يكشف جانباً ما منه عن طريق نمّط سيره، وأنا -كما لا تعلم- لا أؤمن بنظرية داروين، لذا كنت أحاول البرهنة بطريقتي.
صديقي الذي تعرفت عليه للتو: أنا سعيدٌ جداً بمعرفتك، لكنني يؤسفني أن أقول لك أني لا أريد رؤيتك مجدداً، شأنك شأن كل الذين قابلتهم. رُبما يُدهشك أنني لم أعرف أحداًقط،كلهم كنت أقابلهم،وأصادقهم من العمر ساعهً،اوساعهٌ ونصف، وننقضي عن بعضنا الآخر.لا تُقلل من شأن هذه الساعه، غيرك-في القبور- يتمنى نصفها ليُصلح ماأفسده. أطلت عليك-كعادتي-في الكلام مرةً أخرى ! أنا مُتاسف، يمكنك الرحيل الآن . أوأنا الذي سأرحل

تفسير!
.ربما لم أكن أبحث عن أحد… كنت أبحث عن نفسي، لكنها كانت غائبة!
هذا النص ليس محاولةً لتقديم إجابات، بل محاولة لطرح الأسئلة التي يهرب منها معظمنا. إنه رحلة داخل أعماق إنسانٍ أثقله الحزن حتى أصبح عاجزًا عن تمييز أسبابه، فاختلطت عليه ملامح الواقع بالخيال، وصار الحوار مع الآخرين انعكاسًا لحواره مع نفسه. قد تبدو الكلمات متشائمة، لكنها في حقيقتها تصف حالةً يعيشها كثيرون بصمت، حين يصبح الإنسان غريبًا عن ذاته، ويبحث عن معنى لما يشعر به دون أن يجد تفسيرًا واضحًا.
اعتمدت في هذا النص على السرد النفسي والحوار الداخلي لإبراز الصراع الذي قد يعيشه الإنسان مع أفكاره، وكيف يمكن للحزن الطويل أن يغيّر نظرته إلى العالم وإلى نفسه. كما أن السخرية التي تظهر بين السطور ليست إلا وسيلة للدفاع عن النفس أمام ثقل المشاعر، فالإنسان أحيانًا يبتسم أو يمزح ليُخفي ما يعجز عن قوله بصراحة.
هذه الرواية القصيرة لا تدعو إلى اليأس، ولا تمجّد الحزن، بل تحاول أن تضع القارئ أمام مرآةٍ قد يرى فيها جزءًا من نفسه أو من شخصٍ يعرفه. فلكل إنسان معركةٌ خفية لا يراها الآخرون، ولكل قلبٍ قصةٌ لا تُروى كاملة. وإن وجدت نفسك بين هذه الكلمات، فتذكّر أن الاعتراف بالمشاعر هو بداية فهمها، وأن أكثر الليالي ظلمةً لا تمنع شروق الفجر في النهاية.
بقلمي_سنيور شرقي