لماذا يشعر بعض كبار السن بأن عقولهم تتراجع؟

لماذا يشعر بعض كبار السن بأن عقولهم تتراجع؟

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات


 

شكاوى الذاكرة لدى كبار السن بين التقدم في العمر والاكتئاب والضعف الإدراكي المبكر

أصبحت «شكوى الذاكرة الذاتية» موضوعًا مهمًا في أبحاث الشيخوخة. فبعض كبار السن يبلغون عن تغير واضح في قدرتهم على التذكر، رغم عدم وجود ضعف إدراكي موضوعي واضح عند الفحص. وقد وجدت دراسات أن هذه الشكاوى ليست عديمة الدلالة، لكنها أيضًا ليست تشخيصًا للخرف. قيمتها الحقيقية تظهر عندما توضع إلى جانب بقية المعلومات المتعلقة بالشخص.

image about لماذا يشعر بعض كبار السن بأن عقولهم تتراجع؟
1. عندما تكون الشكوى حقيقية والاختبار طبيعيًا

الاختبار المعرفي يقيس أداءً محددًا في ظروف محددة. أما الحياة اليومية فلا تمنح الذاكرة هذه الظروف المثالية. عندما يتلقى الإنسان معلومة جديدة، يحتاج أولًا إلى الانتباه إليها، ثم ترميزها، ثم الاحتفاظ بها، ثم استدعائها عند الحاجة. وقد يكون الخلل في أي مرحلة من هذه المراحل، بينما يصف الشخص النتيجة كلها بكلمة واحدة: «نسيت».

image about لماذا يشعر بعض كبار السن بأن عقولهم تتراجع؟
لهذا يمكن لشخص أن يشعر بتراجع ذاكرته دون أن يظهر لديه قصور واضح في الاختبارات. ربما أصبح أبطأ في استدعاء الأسماء، أو يحتاج إلى وقت أطول لاستحضار كلمة، بينما تظل قدرته على التعلم والاستدعاء ضمن النطاق المتوقع لعمره. وقد يكون الاختبار قصيرًا ولا يلتقط المشكلة التي تظهر عندما تتراكم المهام والمعلومات خلال يوم كامل.
توضح الأدبيات الطبية أن الشكاوى الذاتية للذاكرة شائعة لدى كبار السن، وأن العلاقة بينها وبين الأداء المعرفي ليست ثابتة. بعض الأشخاص الذين يشتكون من الذاكرة لا يظهر لديهم ضعف موضوعي، بينما قد توجد لدى آخرين مؤشرات أكثر دقة لا تظهر إلا عند إجراء تقييم أوسع.image about لماذا يشعر بعض كبار السن بأن عقولهم تتراجع؟image about لماذا يشعر بعض كبار السن بأن عقولهم تتراجع؟
لذلك لا يصح التعامل مع الشكوى بطريقتين شائعتين: «هذا طبيعي لأنك كبرت»، أو «إذن أنت مصاب بالخرف». كلا الاستنتاجين يتجاوزان الأدلة المتاحة.


الأكثر أهمية هو معرفة ما الذي تغير فعلًا.
هل المشكلة في سرعة استدعاء المعلومة، أم في الاحتفاظ بها؟ هل يتذكر الشخص بعد دقائق عندما يحصل على تلميح، أم تختفي المعلومة تمامًا؟ هل يؤثر الأمر في إدارة المال والدواء والمواعيد؟ وهل لاحظ أفراد الأسرة تغيرًا مستمرًا في السلوك؟
هذه الأسئلة أكثر فائدة من قياس النسيان بعدد المرات التي تحدث فيها خلال اليوم.

2. الذاكرة لا تعمل منفصلة عن المزاج

من أكثر العوامل التي تجعل صورة الذاكرة مضللة الحالة النفسية.
الشخص المكتئب قد يقرأ الصفحة نفسها أكثر من مرة ولا يحتفظ بكل تفاصيلها، ليس بالضرورة لأن قدرته التخزينية انهارت، وإنما لأن الانتباه والتركيز أصبحا أقل كفاءة. وعندما تتكرر هذه التجربة يبدأ الإنسان في تفسيرها باعتبارها دليلًا على تلف الذاكرة.image about لماذا يشعر بعض كبار السن بأن عقولهم تتراجع؟image about لماذا يشعر بعض كبار السن بأن عقولهم تتراجع؟

وقد وجدت دراسات ارتباطًا بين شكاوى الذاكرة الذاتية والأعراض الاكتئابية لدى كبار السن. لكن العلاقة ليست بسيطة. الاكتئاب قد يزيد الإحساس بالضعف، كما أن القلق المستمر بشأن فقدان القدرات العقلية قد يزيد بدوره العبء النفسي.
وهذا يفسر ظاهرة تبدو غريبة للوهلة الأولى. قد يدخل شخص إلى غرفة وينسى سبب دخوله، فيضحك ويمضي في يومه. شخص آخر يرتكب الخطأ نفسه، لكنه يقضي بقية اليوم يفكر فيه، ويستعيد خلال الأيام التالية كل هفوة صغيرة حدثت له. بعد فترة يصبح لديه سجل طويل من «الأدلة» على تدهور ذاكرته، رغم أن معظم هذه الأخطاء يقع ضمن التجربة اليومية المعتادة.


لا يعني ذلك أن الشكوى نفسية فقط. هذه نقطة مهمة. الخطأ هو اختزالها في سبب واحد.
المزاج عامل من عوامل التجربة المعرفية، وليس بديلًا عن التقييم العصبي.
النوم غير الكافي أو المتقطع يمكن أن يؤثر في الانتباه والتعلم والاستدعاء. وقد يلاحظ الشخص في الصباح أنه ينسى أكثر، ثم يتحسن أداؤه عندما يستعيد نومًا أفضل. لذلك فإن سؤال الطبيب عن النوم ليس سؤالًا جانبيًا عند تقييم الذاكرة، وإنما جزء من الصورة.


3. الجسد الذي يتعب قد يجعل الذاكرة تبدو أضعف

يتعامل كثير من الناس مع الذاكرة باعتبارها وظيفة عقلية خالصة، لكن الدماغ يعمل داخل جسد كامل.
الأمراض المزمنة، الألم المستمر، قلة الحركة، مشكلات السمع والبصر، بعض الأدوية، واضطرابات النوم قد تؤثر في القدرة على الانتباه والتعلم. وعندما يتراجع الانتباه تقل كمية المعلومات التي تدخل أصلًا إلى الذاكرة.image about لماذا يشعر بعض كبار السن بأن عقولهم تتراجع؟

تخيل شخصًا يتحدث مع قريب له بينما يعاني من ضعف سمع واضح. قد يفوته جزء من الحديث، ثم لا يتذكره بعد دقائق. المشكلة هنا قد تبدأ من استقبال المعلومة لا من تخزينها. ومع ذلك سيصفها صاحبها بأنه «نسي الكلام».
والأمر نفسه يحدث عندما يتناول شخص عدة أدوية، أو يعيش ألمًا مزمنًا، أو ينام بصورة سيئة. لا يمكن فصل الأداء الذهني عن هذه الظروف ثم إصدار حكم على الذاكرة وحدها.


لهذا وجدت بعض الدراسات أن إدراك كبار السن لصحتهم البدنية يرتبط بشكاوى الذاكرة. وفي دراسة شملت آلاف المشاركين الأكبر سنًا الذين لم يكن لديهم ضعف إدراكي واضح، ظهرت العلاقة بين الشكاوى الذاتية للذاكرة وبين تقييم الصحة والأعراض الاكتئابية بصورة مهمة، بينما كانت العلاقة مع الأداء المعرفي الموضوعي أكثر محدودية.


وهنا توجد مساحة حقيقية للتحسين. معالجة اضطراب النوم، مراجعة الأدوية مع الطبيب، تحسين السمع والبصر، السيطرة على الأمراض المزمنة، وزيادة النشاط البدني المناسب للحالة الصحية، كلها خطوات يمكن أن تغير الأداء اليومي دون الحاجة إلى افتراض مرض تنكسي.

4. متى تصبح الشكوى إشارة تستحق الانتباه؟

إذا نسي شخص موعدًا مرة، فهذا لا يكفي. أما إذا بدأ يفقد القدرة على متابعة مواعيده رغم استخدام الوسائل التي كان يعتمد عليها، أو يكرر السؤال نفسه بصورة متقاربة، أو يضيع في أماكن مألوفة، أو يخطئ بصورة متكررة في التعامل مع المال والأدوية، فهنا تتغير قيمة الشكوى.
الوظيفة اليومية من أهم المفاتيح في التقييم. فالذاكرة ليست امتحانًا منفصلًا عن الحياة. الإنسان يتذكر لكي يستخدم ما يتذكره. ولذلك فإن التغير في الاستقلالية قد يكون أكثر أهمية من نتيجة اختبار قصير.

أما الشكاوى المستمرة التي لا يصاحبها ضعف واضح في الوظائف اليومية، فقد تستحق المتابعة بدل تجاهلها. تشير بعض الدراسات إلى أن الشكاوى الذاتية للذاكرة قد ترتبط بزيادة لاحقة في احتمال التدهور المعرفي أو الخرف، لكن قوة هذا الارتباط ليست كافية لتحويل الشكوى وحدها إلى تنبؤ فردي.

ولهذا من المفيد أن يسجل الشخص أمثلة واقعية بدل الاعتماد على الذاكرة نفسها في وصف الذاكرة. متى حدث النسيان؟ ماذا كان يفعل قبل حدوثه؟ هل تذكر المعلومة بعد فترة؟ هل احتاج إلى مساعدة؟ هل لاحظ أحد أفراد الأسرة التغير؟
هذه التفاصيل تمنح الطبيب مادة أكثر قيمة من عبارة عامة مثل «ذاكرتي سيئة».

5. التعامل مع الذاكرة يبدأ من فهمها لا من الخوف منها

الخوف من الخرف قد يحول كل هفوة إلى إنذار. وهذا لا يساعد الذاكرة ولا صاحبها.
عندما ينسى الإنسان اسمًا ثم يتذكره بعد دقائق، فهذه واقعة مختلفة عن فقدان القدرة على التعرف إلى شخص يعرفه منذ سنوات. وعندما يضع شيئًا في مكان غير معتاد، فهذه حالة مختلفة عن عدم معرفة الطريقة التي يستخدم بها ذلك الشيء.
الفروق مهمة، لأن الذاكرة لا تتراجع بطريقة واحدة.
يمكن تقليل الضغط اليومي عليها باستخدام وسائل بسيطة: وضع المفاتيح والأدوية في أماكن ثابتة، تدوين المواعيد فور تحديدها، تجنب القيام بعدة مهام في الوقت نفسه، واستخدام المنبهات والقوائم عندما تكون المهام متكررة. هذه الوسائل لا تعني أن الإنسان عاجز، وإنما تقلل الاعتماد على التذكر في المواقف التي يمكن تنظيمها خارجيًا.
وتبقى الحركة والنوم والتواصل الاجتماعي والنشاط العقلي جزءًا من الصورة الأوسع لصحة الدماغ. لا توجد وسيلة واحدة تضمن منع الخرف، ولا ينبغي بيع هذه الإجراءات على أنها علاج سحري. فائدتها أنها تدعم عوامل ترتبط بالصحة العامة والأداء المعرفي، وبعضها قابل للتعديل بالفعل.

أما الشخص الذي يشعر بتغير مستمر في ذاكرته، فالأفضل ألا ينتظر حتى تصبح المشكلة كبيرة. زيارة الطبيب لا تعني أن التشخيص سيكون خرفًا. قد تكشف التقييمات عن اضطراب في النوم، اكتئاب، أثر دواء، مشكلة سمع، أو سبب صحي آخر يمكن التعامل معه. وقد تكشف أيضًا تغيرًا إدراكيًا يحتاج إلى مراقبة منتظمة.
المهم ألا تتحول الشكوى إلى وصمة، ولا إلى نبوءة.


خاتمة


لهذا لا ينبغي إسكات الشكوى ولا تضخيمها.
الطريقة الأكثر علمية هي أن تؤخذ بجدية، ثم تفكك إلى عناصرها: ماذا نسي الشخص، ومتى، وكيف، وهل تكرر الأمر، وهل أثر في استقلاله، وما الذي يحدث في نومه ومزاجه وصحته وأدويته؟
عندها تتحول الذاكرة من مصدر للخوف إلى موضوع يمكن فحصه.
وربما تكون أهم خطوة لكبير السن الذي يقول «ذاكرتي تتغير» ألا يجيبه أحد بالطمأنة السريعة أو التخويف السريع، وإنما بسؤال أكثر فائدة: ما التغير الذي حدث بالضبط؟

المصادر

 

 

National Institute on Aging (NIA). Memory Problems, Forgetfulness, and Aging. https://www.nia.nih.gov/health/alzheimers-symptoms-and-diagnosis/do-memory-problems-always-mean-alzheimers-disease
 


 

National Institute on Aging (NIA). Age-Related Forgetfulness or Signs of Dementia? https://www.nia.nih.gov/health/memory-loss-and-forgetfulness/age-related-forgetfulness-or-signs-dementia
 

 

Pike, K. E., Cavuoto, M. G., Li, L., Wright, B. J., & Kinsella, G. J. (2022). Subjective Cognitive Decline: Level of Risk for Future Dementia and Mild Cognitive Impairment, a Meta-Analysis of Longitudinal Studies. Neuropsychology Review, 32, 703–735. https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/34748154/
 

 

Wang, X. T., et al. (2021). Association of Subjective Cognitive Decline with Risk of Cognitive Impairment and Dementia: A Systematic Review and Meta-Analysis of Prospective Longitudinal Studies. The Journal of Prevention of Alzheimer's Disease, 8(3), 277–285. https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/34101784/
 

 

National Institute on Aging (NIA). Hearing Loss: A Common Problem for Older Adults. https://www.nia.nih.gov/health/hearing-and-hearing-loss/hearing-loss-common-problem-older-adults
 


 

World Health Organization (WHO). Risk Reduction of Cognitive Decline and Dementia: WHO Guidelines, Second Edition. https://www.who.int/publications/i/item/9789240123557
 


 

Desai, R., et al. (2021). Affective Symptoms and Risk of Progression to Mild Cognitive Impairment or Dementia in Subjective Cognitive Decline: A Systematic Review and Meta-Analysis. Ageing Research Reviews. https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/34390850/
 

 

تنبيه: 

 

هذا المقال مادة تثقيفية عامة، ولا يُعد تشخيصًا طبيًا أو بديلًا عن التقييم السريري. وجود شكوى في الذاكرة لا يكفي وحده لتشخيص الضعف الإدراكي أو الخرف، كما أن أي أعراض مستمرة أو متزايدة أو مؤثرة في الحياة اليومية تستحق مناقشتها مع مختص صحي.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Alkatp تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

3

متابعهم

18

مقالات مشابة
-