الأمومة بلا شبكة أمان: من يرعى الأم حين ترعى الجميع؟

الأمومة بلا شبكة أمان: من يرعى الأم حين ترعى الجميع؟
في هذا الوقت المتأخر من الليل، ومع اقتراب امتحان مصيري ظل مقررًا عليّ منذ ما يقارب أربع سنوات، أجد نفسي أتساءل: كيف وصلت إلى هنا وأنا أحاول أن أكمل الطريق بكل ما تبقى لديّ من طاقة؟
ظروف الولادة قبل الأخيرة، ثم الحرب والنزوح، وقلة القدرة على المتابعة بعد الولادة، ثم ولادة أخرى… كل ذلك أعاق ما تبقى لديّ من قدرة على الانتظام والاستذكار. ومع قلة النوم ليلًا، وتزاحم المسؤوليات نهارًا، وانعدام مصادر الدعم، أصبح التركيز والاستمرار في الطموح المهني معركة يومية.
لا أخت لي في غربتي، ولا صديقة تسبقني بخبرتها فتدلني، ولا زوج متفرغ يستطيع أن يقلل عني أعبائي. كانت ظروفًا شديدة الإنهاك جعلت الاستمرار في كل هذه الأدوار بمفردي أكثر صعوبة، وجعلت وجود أشخاص داعمين حاجة إنسانية قبل أن يكون امتيازًا.
وهذا يحدث وأنا طبيبة، يتوقع مني زوجي ومحيطي أن أواصل تقدمي المهني، وأن أكون أمًا حاضرة وداعمة لأطفالي، وأن أتحمل مسؤولياتي بأقل الموارد، وبدون أن أحتاج حتى إلى كلمة ثناء.
أحيانًا يبخل العالم كله على الأم بما تستمد منه طاقتها للاستمرار.
ليس أمامها إلا أن تحمل حملها، وحمل من أصبحوا فجأة مسؤوليتها دون أن تختار الظروف التي وضعتها في هذا الدور، وأن تستعين بالله وتمضي.
حتى أقرب الناس قد يبخلون في مشاركتها تعبها.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن فترة ما بعد الولادة تحتاج إلى رعاية تتجاوز الاحتياجات الجسدية المباشرة، لتشمل صحة المرأة النفسية ورفاهها، وكذلك احتياجات الطفل والأسرة. كما تؤكد توصياتها أهمية حصول المرأة والأسرة على المعلومات والطمأنة والدعم خلال هذه المرحلة.
كل الكلام عن رعاية المجتمع للأم الجديدة ينهار عند بكاء الرضيعة ليلًا، أو عندما تحين ساعة الدوام صباحًا. فمن سيقبل عذرها بأنها لم تنم لأن طفلتها كانت مريضة؟ ومن سيعترف بأن عليها أن توازن يوميًا بين احتياجات طفلها ومتطلبات العمل والحياة؟
أين هي الرعاية الاجتماعية عندما لا توجد عائلة قريبة؟
وأين هي الرعاية الأسرية عندما لا يوجد من يستطيع أن يحمل الطفل ساعة واحدة عن الأم؟
ومن يعترف أصلًا بأن الأم الجديدة بحاجة إلى المساعدة، لا إلى الاتهام بأنها تتدلل أو تبالغ في شكواها؟
لو حُرم أحدهم من النوم ليلة واحدة، لأدرك في اليوم التالي ثقل الإرهاق. أما الأم، فعليها غالبًا أن تواصل العمل، وتعتني بأطفالها، وتنجز، وتدرس، وتبتسم… وكأن ليلة الأمس لم تحدث.
الأمومة لا تعني أن تصبح المرأة بلا احتياجات.
الأم الجديدة تحتاج إلى من يسألها:
هل نمتِ؟
هل أكلتِ؟
هل تحتاجين أن أحمل طفلتك قليلًا؟
هل تستطيعين أخذ ساعة لنفسك؟
كيف نستطيع أن نخفف عنك؟
وهذه ليست مجرد أسئلة عابرة. فالإرشادات الصحية الدولية المتعلقة بالرعاية بعد الولادة تؤكد أهمية تقييم احتياجات المرأة النفسية والاجتماعية، والانتباه إلى مستوى الدعم المتاح لها، مع مراعاة دور الشريك والأسرة ومقدمي الرعاية في تقديم هذا الدعم.
نحتاج إلى قوانين أكثر مراعاة للأمهات وأطفالهن، وإلى أماكن عمل تفهم أن الأم التي مرت بليلة صعبة تحتاج إلى بيئة أكثر إنسانية، وإلى أسر ومجتمعات تدرك أن رعاية الأم بعد الولادة لا تقتصر على سؤالها عن صحتها الجسدية، بل تشمل أيضًا الإصغاء إلى احتياجاتها النفسية والاجتماعية.
فالأم التي تبدو قادرة على تحمل كل شيء ليست بالضرورة بخير.
قد تكون فقط قد اعتادت ألا تجد من يحمل عنها شيئًا.
وهذه ليست دعوة إلى اعتبار كل تعب بعد الولادة مرضًا، ولا إلى تشخيص الأمهات من خلال المقالات أو التجارب الشخصية. فاحتياجات الأمهات تختلف باختلاف ظروفهن، وما يحتاج إلى تقييم طبي أو نفسي ينبغي أن يُقيّم بشكل فردي من قبل المختصين.
لكن الاعتراف بتعب الأم، وسؤالها عن احتياجاتها، وتوفير الدعم العملي والعاطفي لها، يمكن أن يكون جزءًا من الرعاية التي تحتاج إليها في هذه المرحلة. وتؤكد التوصيات الصحية أن الرعاية بعد الولادة ينبغي أن تكون متمحورة حول المرأة والطفل والأسرة، وأن تراعي الرفاه النفسي والاجتماعي إلى جانب الصحة الجسدية.
حتى يصبح الناس أرحم، والقوانين أكثر إنصافًا، والبيئة المحيطة بالأم أكثر تفهمًا لاحتياجاتها بعد الولادة، ستظل كثير من الأمهات يخضن معاركهن بصمت… ثم يُطلب منهن أن يثبتن أنهن ما زلن قادرات على كل شيء.
وأحيانًا، كل ما تحتاجه الأم ليس أن يقول لها أحد:
«أنتِ قوية».
بل أن يقول لها:
«تعالي… هذه المرة سأحمل عنكِ بعض الحمل.»
المصادر
World Health Organization (WHO). WHO recommendations on maternal and newborn care for a positive postnatal experience. 2022.
World Health Organization (WHO). مواد وتوجيهات حول الصحة النفسية في الفترة المحيطة بالولادة ودعم النساء والأسر.
NICE. Antenatal and postnatal mental health: clinical management and service guidance (CG192).
NICE. Postnatal care (NG194).
ملاحظة تحريرية: المعلومات الواردة هنا عامة وتثقيفية، ولا تهدف إلى تشخيص حالة فردية أو تقديم توصية علاجية شخصية.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق