هل تستمر الحياة وانت لست بطلها ؟

هل تستمر الحياة وانت لست بطلها ؟

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about هل تستمر الحياة وانت لست بطلها ؟

هل تستمر الحياة وأنت لست بطلها؟

عندما كنت صغيرة، كنت أجد نفسي بين الكلمات. كانت اللغة العربية بالنسبة لي أكثر من مجرد مادة دراسية، كانت عالمًا أشعر فيه أنني أتنفس بحرية. وبينما كان الكثيرون يجدون كتابة موضوع التعبير أمرًا صعبًا، كنت أكتب دون ملل، وكأن القلم يعرف الطريق إلى قلبي قبل أن أعرفه أنا. كانت الأفكار تتدفق، والمشاعر تتحول إلى حروف بسهولة، حتى أصبحت الكتابة ملاذي الأول.

ومع مرور السنوات، لم تعد الكتابة مجرد هواية، بل أصبحت وسيلتي الوحيدة للتعبير عن كل ما يختبئ داخلي. كل موقف أمر به، وكل فرحة أو خيبة، كنت أودعها بين صفحات دفاتري. كنت أعتقد أن الكلمات قادرة على حمل كل ما أشعر به، وأن الورق يتسع لكل ما يضيق به صدري.

لكن الحياة أخذتني بعيدًا.

أخذتني من كل شيء أحببته، وصفعتني بحقائقها القاسية. شيئًا فشيئًا، اكتشفت أن الصفحات لم تعد تتسع لما بداخلي، وأن الكلمات التي كانت تنقذني أصبحت عاجزة عن وصف ما أشعر به. لم أعد أعرف كيف أعبر، ولا كيف أشرح ما يحدث داخلي.

لا أعلم متى تغيرت، ولا كيف حدث ذلك، لكنني أعلم جيدًا أنني لم أعد أنا.

لم أعد أحب الأشياء التي كانت تمنحني السعادة، ولم أعد أفرح كما كنت. نسيت كيف تُعاش الحياة ببساطة، وكيف يبتسم القلب دون سبب. أصبحت سعادتي آخر ما أفكر فيه، بينما تحولت سعادة الآخرين إلى أولويتي الأولى. أبذل جهدي حتى أرى من حولي بخير، وأبتسم لهم حتى وإن كنت من الداخل مثقلة بما لا أستطيع البوح به.

أحيانًا أسأل نفسي: لماذا أصبحت هكذا؟ هل الحياة هي التي لم تمنحني ما أستحق، أم أنني أنا من ابتعد عنها دون أن أشعر؟ لا أملك إجابة واضحة، لكنني أعيش أيامي وكأن كل شيء على ما يرام، بينما هناك جزء بداخلي توقف عن الشعور منذ زمن.

أبكي كثيرًا، لكن دون دموع، ودون صوت، ودون أن يلاحظ أحد. إنه البكاء الذي لا يراه الناس، لأنه يحدث في القلب لا في العينين.

لم يسندني أحد في كل مرة سقطت فيها، فكنت أنا من يمد يده لنفسه. تعلمت أن أكون عكازي، وأن أخفي ضعفي خلف ابتسامة هادئة. من يراني يظن أنني قوية، لكن الحقيقة أنني هشة إلى حد لا يتخيله أحد. القوة التي يراها الناس ليست إلا محاولة مستمرة حتى لا أنهار أمامهم.

ومع كل هذا، يبقى سؤال واحد يطرق باب قلبي كل يوم:

هل يمكن للإنسان أن يستمر في الحياة وهو ليس بطلها؟ هل يستطيع أن يعيش عمرًا كاملًا يؤدي دورًا ثانويًا في قصته، بينما يمنح الجميع البطولة والاهتمام؟

وإلى متى سيظل يركض؟ يركض لإرضاء الآخرين، يركض خلف الواجبات، يركض هربًا من مواجهة نفسه، حتى ينسى لماذا بدأ الركض من الأساس.

ربما لا تكون الحياة عادلة دائمًا، وربما لا تمنحنا ما تمنيناه، لكن أصعب ما قد يواجهه الإنسان ليس قسوة الحياة، بل أن يفقد نفسه وهو يحاول النجاة منها.

فالحياة لا تصبح أخف عندما نتجاهل آلامنا، بل عندما نتذكر أن لنا حقًا في السعادة، وحقًا في أن نكون أبطال قصتنا، لا مجرد شخصيات تمر في حياة الآخرين ثم تنسى نفسها.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Dodo Tawfeek تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

12

متابعهم

23

مقالات مشابة
-