بعض الآباء موجودون... لكن أبناءهم يشعرون باليُتم

بعض الآباء موجودون... لكن أبناءهم يشعرون باليُتم

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

أبي ما زال حيًا... فلماذا أشعر أنني فقدته منذ سنوات؟      (أنا هي الفتاه صاحبه هذه التجربه)

لم أكن أعرف أن ضحكة واحدة يمكن أن تؤلمني                

كنت أسير في أحد شوارع المدينة، أضع سماعاتي في أذني وأحاول أن أهرب من أفكاري قليلًا.

لم أكن أبحث عن شيء.

كنت فقط أريد أن أمشي.

وفجأة، سمعت ضحكة.

نزعت السماعة من أذني ونظرت حولي.

كانت ضحكة طفلة.

ضحكة صافية جدًا، لدرجة جعلتني أبحث عن مصدرها دون تفكير.

وبعد لحظات رأيتهما.

أب وابنته.

كانا خارجين من أحد المحلات، ويبدو أنهما كانا يقضيان يومًا عاديًا معًا.

قالت الطفلة شيئًا لوالدها، فضحك.

ركضت أمامه، فلحق بها.

وعندما أمسك بها، لعب قليلًا بشعرها، فضحكت وهي تحاول الابتعاد عنه.

أعطاها قطعة حلوى.

ثم جذبها إليه واحتضنها وقبّل جبينها.

وبعدها حملها على ذراعه، ومضى بها في الشارع وهي تتحدث معه بحماس عن شيء لم أسمعه.

ظللت أنظر إليهما.

وابتسمت.

لكن ابتسامتي اختفت بسرعة.

لأنني في تلك اللحظة شعرت بشيء ينكسر بداخلي.

لم أبكِ لأن المشهد كان حزينًا.

بالعكس...

كان جميلًا جدًا.

وهنا كانت المشكلة.

لقد كان جميلًا بالقدر الذي جعلني أكتشف كم كنت أفتقده.

أبي ليس ميتًا

قد يظن من يقرأ كلامي أنني فقدت أبي.

لكن الحقيقة أصعب من ذلك بالنسبة لي.

أبي ما زال حيًا.

أراه.

أعرف أنه موجود.

أسمع صوته أحيانًا.

أعرف أين هو، وأعرف أنه يعيش حياته بشكل طبيعي.

لكنه، بطريقة لا أعرف كيف أشرحها، ليس موجودًا في المكان الذي احتجته فيه.

لم أفتقد وجوده في البيت فقط.

كنت أفتقد وجوده في حياتي.

وهناك فرق كبير بين الاثنين.

يمكن لشخص أن يكون أمامك كل يوم...

ومع ذلك تشعر أنك وحيد.

يمكنك أن تقول:

"أبي موجود."

لكن قلبك يرد عليك:

"نعم... لكنه ليس هنا."

وهذا النوع من الغياب لا يفهمه إلا من عاشه.

لماذا لست أنا؟

عدت إلى المشهد مرة أخرى.

الأب يمسك يد ابنته.

وهي تمشي بجانبه وكأنها تعرف تمامًا أن هناك شخصًا سيحميها إذا تعثرت.

سألت نفسي سؤالًا بسيطًا جدًا:

لماذا لم أكن أنا؟

لماذا لم أعش هذه التفاصيل؟

لماذا لم أشعر يومًا أنني أستطيع أن أركض إلى أبي بكل ما في قلبي دون أن أفكر إذا كان سيستمع إليّ أم لا؟

لماذا لم تكن علاقتنا بهذا الدفء؟

لماذا أرى الحنان الذي كان يجب أن يكون طبيعيًا بالنسبة لي، فأشعر تجاهه بكل هذا الألم؟

لم أجد إجابة.

فقط سقطت دمعة على وجهي.

مسحتها بسرعة.

وأكملت طريقي.

لكنني لم أكن كما كنت قبل أن أرى ذلك المشهد.

أشياء صغيرة... لكنها كانت تعني لي العالم

عندما كنت صغيرة، لم أكن أحتاج إلى أشياء كبيرة.

لم أكن أحلم بهدايا غالية.

ولا برحلات فاخرة.

ولا حتى بأب مثالي.

كنت أحتاج إلى أشياء صغيرة جدًا.

أن يسألني كيف كان يومي.

أن يسمعني وأنا أحكي شيئًا تافهًا بالنسبة له، لكنه مهم جدًا بالنسبة لي.

أن يلاحظ عندما أكون حزينة.

أن يقول لي مرة:

"أنا فخور بيكي."

أن أشعر، ولو لمرة واحدة، أنني عندما أخاف أستطيع أن أذهب إليه.

image about بعض الآباء موجودون... لكن أبناءهم يشعرون باليُتم

هذه الأشياء قد تبدو بسيطة.

لكن بالنسبة لطفلة، هي ليست بسيطة أبدًا.

هي الأشياء التي تبني بداخلها إحساسًا بالأمان.

وأنا كبرت وأنا أفتقد هذا الإحساس.

كبرت وأنا أتعلم ألا أطلب شيئًا

مع الوقت، بدأت أتعود على الصمت.

إذا كنت حزينة، لا أتكلم.

إذا احتجت إلى حضن، أحتفظ بالاحتياج لنفسي.

إذا شعرت أنني أريد الاهتمام، أقنع نفسي أنني لا أحتاجه.

كنت أقول لنفسي:

"عادي."

"مش مشكلة."

"أنا قوية."

لكن الحقيقة؟

لم أكن قوية دائمًا.

كنت فقط لا أريد أن أطلب شيئًا وأُصاب بخيبة أمل.

لذلك تعلمت أن أخفض توقعاتي.

أن أبدو بخير.

أن أضحك عندما أريد البكاء.

وأن أقول "ولا يهمك" بينما هناك أشياء كثيرة كانت تهمني.

ربما لهذا كنت أتعلق بالاهتمام

عندما كبرت، بدأت ألاحظ شيئًا لم أفهمه في البداية.

كنت أتأثر جدًا بالاهتمام.

كلمة لطيفة من شخص قد تبقى في رأسي طوال اليوم.

سؤال بسيط مثل:

"أنتِ كويسة؟"

كان أحيانًا يلمس بداخلي شيئًا عميقًا جدًا.

وإذا وجدت شخصًا يهتم بي باستمرار، كنت أشعر بالأمان بسرعة.

ربما أسرع مما ينبغي.

لم أكن أفهم السبب.

كنت ألوم نفسي.

وأقول:

"لماذا أتعلق بهذه السرعة؟"

ثم بدأت أفهم.

ربما أنا لا أتعلق بالشخص فقط.

ربما أتعلق بالشعور الذي يمنحني إياه.

شعور أن هناك أحدًا يراني.

أحدًا يسمعني.

أحدًا يسأل عني.

أحدًا يجعلني أشعر أن وجودي مهم.

كنت أبحث عن شيء لم أعرف كيف أطلبه باسمه.

الأمان.

وهنا بدأت أخاف من نفسي

كنت أخاف أن أحب شخصًا أكثر من اللازم.

أخاف أن أعطي أحدًا مساحة كبيرة في قلبي.

أخاف أن يرحل.

لأن رحيل شخص يهتم بي لم يكن يعني بالنسبة لي:

"شخص ابتعد."

كان يعني أحيانًا:

"ها أنا أعود إلى الوحدة من جديد."

وهذا مؤلم.

لأنك لا تعرف هل أنت حزين على الشخص نفسه...

أم حزين لأن الشعور الذي كان يمنحك إياه اختفى.

أصعب شيء أن يكون الشخص موجودًا

لو كان أبي قد مات، ربما كان الناس سيقولون لي:

"رحمه الله، أكيد أنتِ تشتاقين إليه."

لكن ماذا أقول لهم وأنا أراه حيًا؟

كيف أشرح لهم أنني أشتاق إلى أب لم أفقده جسديًا؟

أشتاق إلى قربه.

إلى اهتمامه.

إلى وجوده الحقيقي في تفاصيل حياتي.

أشتاق إلى نسخة من العلاقة لم أعرفها أصلًا.

وهذا هو الجزء الذي يصعب شرحه.

لأنك لا تبكين شخصًا رحل.

أنت تبكين شيئًا كان من المفترض أن يكون موجودًا ولم يكن.

في تلك الليلة فهمت شيئًا عن نفسي

عدت إلى البيت، وجلست وحدي.

لم أستطع النوم.

ظل المشهد يمر أمام عيني.

الأب.

ابنته.

ضحكتها.

يده في شعرها.

قبلته على جبينها.

طريقة حمله لها.

كل التفاصيل الصغيرة التي ربما لن تتذكرها الطفلة عندما تكبر.

أما أنا...

فأعرف أنني لن أنساها أبدًا.

لأنها ذكرتني بشيء كنت أحاول طوال سنوات ألا أفكر فيه.

كنت حزينة.

لكن هذه المرة لم أهرب من حزني.

لم أقل لنفسي:

"أنتِ تبالغين."

ولم أقل:

"هناك من يعيشون أسوأ منك."

فأنا أعرف ذلك.

وأعرف أن هناك نعمًا كثيرة في حياتي.

لكن وجود النعم لا يلغي وجود الألم.

يمكن للإنسان أن يكون ممتنًا...

وموجوعًا في الوقت نفسه.

جلست مع الطفلة التي بداخلي

أغمضت عيني وتخيلت نفسي وأنا صغيرة.

تخيلتها تجلس وحدها.

لم تكن غاضبة.

كانت فقط تنتظر.

اقتربت منها في خيالي.

ولأول مرة لم أطلب منها أن تكون قوية.

لم أقل لها:

"انسي."

لم أقل:

"كبرنا خلاص."

فقط احتضنتها.

وقلت لها:

"أنا عارفة إنك كنتِ محتاجة ده."

ثم قلت:

"وعارفة إنك كنتِ بتسألي نفسك أنا ليه مش زي باقي البنات."

وسكت قليلًا.

ثم قلت لها:

"بس صدقيني... عدم حصولك على الحنان مش معناه إنك ما تستحقيهوش."

ربما كانت هذه أول مرة أقول فيها لنفسي هذه الجملة بصدق.

أنا لست ناقصة

لفترة طويلة، كنت أظن أن هناك شيئًا ناقصًا بداخلي.

كنت أراقب نفسي وأتساءل:

لماذا أتأثر هكذا؟

لماذا أحتاج إلى الطمأنينة؟

لماذا أخاف من الهجر؟

لماذا أبحث عن كلمة حلوة وأتعلق بها؟

لكنني بدأت أفهم أنني لا أحتاج إلى كره نفسي بسبب هذه الأشياء.

أنا لم أختر طفولتي.

لم أختر شكل علاقتي بأبي.

ولم أختر الأشياء التي افتقدتها.

ولذلك لا يجب أن أقضي بقية حياتي أعاقب نفسي عليها.

أنا لست ناقصة.

أنا فقط أحمل أشياء لم أتعلم كيف أضعها جانبًا.

هل سامحت أبي؟

لا أعرف.

وربما لا أريد أن أعطي نفسي إجابة سريعة.

المسامحة ليست كلمة نقولها وننتهي.

وأنا لا أريد أن أتظاهر بأن كل شيء بخير فقط لأن أبي ما زال موجودًا.

أنا أراه.

وأعرف أنه أبي.

وأحبه بطريقتي.

لكن هناك جزءًا مني ما زال يتمنى منه أشياء كثيرة.

وربما أكثر ما يؤلمني هو أنني لا أعرف هل يدرك أصلًا أنني كنت أحتاج إليه.

هل يعرف كم مرة تمنيت أن يقترب؟

هل يعرف كم مرة انتظرت كلمة منه؟

هل يعرف أن بعض تصرفاته التي ربما نسيها تمامًا، ظلت عالقة في ذاكرتي؟

لا أعرف.

وربما لن أعرف أبدًا.

لكنني لا أريد أن أعيش بقية عمري منتظرة

وهنا بدأت أتعلم شيئًا مهمًا.

أنا لا أستطيع تغيير أبي.

ولا أستطيع العودة إلى طفولتي.

ولا أستطيع إجبار الماضي على أن يصبح كما تمنيت.

لكنني أستطيع أن أختار ماذا سأفعل بهذا الألم.

إما أن أظل أبحث عن أبي في كل شخص يدخل حياتي...

أو أتعلم أن أفهم نفسي.

أن أعرف أن احتياجي للحب لا يجعلني ضعيفة.

وأن أتعلم وضع حدودي.

وأن أختار الأشخاص الذين يعاملونني بحب واحترام، لا الأشخاص الذين يستغلون احتياجي إلى الحنان.

المشهد نفسه... لكنني تغيرت

بعد فترة، مررت من الشارع نفسه.

وقفت للحظة.

نظرت إلى المكان الذي رأيت فيه الأب وابنته.

لم أرهما هذه المرة.

لكنني تذكرت كل شيء.

في المرة الأولى، جعلني المشهد أشعر أنني محرومة.

أما الآن...

فجعلني أتمنى شيئًا آخر.

تمنيت أن تعيش تلك الطفلة عمرها كله وهي تشعر بالأمان.

تمنيت ألا تضطر يومًا إلى البحث عن الحنان في المكان الخطأ.

وتمنيت لنفسي الشيء نفسه.

لأول مرة، لم أقل:

"لماذا لم أكن أنا؟"

قلت:

"ربما لم أحصل على كل ما كنت أحتاجه... لكن هذا لا يعني أنني لن أجد الحب والأمان في حياتي."

بعض الآباء موجودون... لكن أبناءهم يشعرون باليُتم

تعلمت أن اليُتم ليس دائمًا أن يموت الأب.

أحيانًا يكون الأب حيًا، لكن ابنته تتعلم منذ الصغر كيف تعيش بدونه عاطفيًا.

وهذا النوع من الألم لا يملك جنازة.

لا توجد له كلمات تعزية.

ولا أحد يقول لك:

"أنا آسف لأنك فقدت والدك."

لأن الناس يرونه موجودًا.

لكنهم لا يرون الفراغ الذي تركه.

ولهذا، إذا كنتِ واحدة من الفتيات اللواتي يشعرن بهذا الشعور، أريدك أن تعرفي شيئًا:

أنتِ لستِ درامية.

ولستِ جاحدة.

ولستِ ضعيفة.

مشاعرك لا تحتاج إلى إذن حتى تكون حقيقية.

وفي النهاية...

لا أعرف إذا كان أبي سيعرف يومًا ماذا فعل غيابه بداخلي.

ولا أعرف إذا كان سيقرأ هذه الكلمات يومًا.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا:

لم أعد أريد أن أقضي حياتي كلها واقفة أمام باب الماضي، أنتظر شيئًا لن يعود.

أنا ما زلت تلك الطفلة التي كانت تتمنى حضنًا.

لكنني اليوم أكبر.

وأستطيع أن أحميها.

أستطيع أن أقول لها عندما تشعر بالوحدة:

"أنا هنا."

وعندما تخاف:

"لن أتركك."

وعندما تشعر أنها لا تستحق الحب:

"أنتِ تستحقين."

ربما لم أحصل على الطفولة التي تمنيتها.

وربما سيظل هناك جزء صغير بداخلي يتمنى لو كان أبي مختلفًا.

وهذا مؤلم.

لكنني بدأت أتقبل أن بعض الجروح لا تختفي تمامًا...

هي فقط تتوقف عن التحكم في حياتنا.

وفي النهاية، لم يكن ذلك الأب الذي رأيته في الشارع هو أكثر ما آلمني.

الذي آلمني حقًا هو أنني، لأول مرة، رأيت بوضوح الشيء الذي كنت أفتقده طوال هذه السنوات.

أبي كان حيًا طوال الوقت...

لكنني كنت أبحث عنه في كل مكان.

 

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
mayaremadelden تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

5

متابعهم

4

مقالات مشابة
-