الصيام وجهاز المناعة.. ماذا تقول الدراسات عن تأثير الامتناع عن الطعام؟
الصيام وجهاز المناعة.. ماذا تقول الدراسات عن تأثير الامتناع عن الطعام؟

مقدمة
ارتبط الصيام منذ سنوات باهتمام متزايد من الباحثين، ليس فقط بسبب تأثيره المحتمل في الوزن وصحة التمثيل الغذائي، وإنما أيضًا بسبب علاقته بعمليات بيولوجية تؤثر في الالتهاب ووظائف جهاز المناعة.
تشير بعض الدراسات إلى أن الصيام وتقييد السعرات قد يؤثران في بعض العمليات المرتبطة بالالتهاب وتنظيم جهاز المناعة، إلا أن حجم الفائدة يختلف بحسب الحالة ونوع الصيام، وما تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات البشرية.
كيف يمكن أن يؤثر الصيام في جهاز المناعة؟
جهاز المناعة لا يعمل بمعزل عن عملية التمثيل الغذائي. فعندما تتغير كمية الطعام وتوقيت تناوله، تحدث تغيرات في مستويات الغلوكوز والدهون وبعض الهرمونات والمواد التي تستخدمها الخلايا للحصول على الطاقة.
ويعتقد الباحثون أن بعض هذه التغيرات يمكن أن تؤثر في نشاط الخلايا المناعية وفي مستويات بعض المؤشرات المرتبطة بالالتهاب. كما تدرس الأبحاث دور عمليات خلوية مثل الالتهام الذاتي، وهي آلية تساعد الخلايا على التخلص من بعض المكونات التالفة وإعادة تدويرها.
لكن هذه الآليات لا تعني تلقائيًا أن الصيام «يقوي المناعة» أو يمنع الأمراض؛ فالجهاز المناعي يحتاج إلى توازن دقيق، وزيادة نشاطه ليست دائمًا أمرًا مفيدًا، خصوصًا في أمراض المناعة الذاتية التي يهاجم فيها الجهاز المناعي أنسجة الجسم نفسه

ماذا عن أمراض المناعة الذاتية؟
من أكثر المجالات التي حظيت باهتمام الباحثين العلاقة بين الصيام وأمراض المناعة الذاتية، مثل التصلب المتعدد والتهاب المفاصل الروماتويدي والذئبة.
وفي هذا السياق، أظهرت بعض الدراسات التجريبية نتائج مشجعة. فقد وجدت دراسة أجريت على نموذج حيواني للتصلب المتعدد أن نظامًا غذائيًا يحاكي الصيام ساعد في تقليل شدة الأعراض وبعض مظاهر الالتهاب، وهو ما دفع الباحثين إلى دراسة هذه الفكرة بصورة أكبر.
لكن النتائج التي تظهر في الحيوانات لا يمكن اعتبارها دليلًا على أن العلاج نفسه سيكون فعالًا لدى الإنسان. ولهذا تظل الدراسات السريرية على البشر هي الأساس لتحديد مدى فاعلية هذه الأنظمة وسلامتها.
ماذا أظهرت الدراسات على البشر؟
أجريت بالفعل دراسات بشرية حول الصيام والأنظمة الغذائية التي تحاكي الصيام، ومن بينها أبحاث على مرضى التصلب المتعدد.
وفي تجربة عشوائية مضبوطة نُشرت نتائجها حديثًا، قورنت حمية الصيام بحمية صحية قياسية وحمية كيتونية لدى أشخاص يعانون من التصلب المتعدد الناكس الهادىء. وبعد 18 شهرًا، لم يظهر اختلاف في النتيجة الرئيسية المتعلقة بآفات الدماغ الجديدة في التصوير بالرنين المغناطيسي بين المجموعات، رغم ظهور بعض التحسينات في مؤشرات ونتائج ثانوية لدى بعض المشاركين. وأشار الباحثون إلى الحاجة إلى دراسات أكبر لتحديد التأثير الحقيقي لهذه الأنظمة في مسار المرض.
وهذا مهم؛ لأنه يوضح أن نتائج الدراسات الأولية لا تكفي للقول إن الصيام علاج لأمراض المناعة الذاتية

هل الصيام المتقطع هو نفسه الصيام الذي تناولته الدراسات؟
ليس بالضرورة.
توجد أنواع مختلفة من الصيام والأنظمة الغذائية المقيدة للسعرات، منها الصيام المتقطع الذي يحدد ساعات تناول الطعام، ومنها أنظمة تحاكي الصيام وتخفض كمية السعرات لفترة محددة، إضافة إلى أشكال أخرى من تقييد السعرات.
ولهذا لا يمكن تطبيق نتائج دراسة استخدمت نظامًا غذائيًا محددًا على جميع أنواع الصيام. فمدة الصيام، كمية السعرات، الحالة الصحية للشخص ونوعية الطعام المتناول كلها عوامل يمكن أن تغير النتائج
هل يمكن للصيام أن يحل محل علاج أمراض المناعة؟
لا توجد أدلة كافية تسمح باعتبار الصيام بديلًا عن العلاجات الطبية المعتمدة لأمراض المناعة الذاتية.
فالمراجعات العلمية تشير إلى وجود نتائج واعدة، لكنها تؤكد أيضًا أن الأدلة المتعلقة بعدد من أمراض المناعة الذاتية ما تزال محدودة أو غير حاسمة، وأن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد أفضل طريقة للصيام وتأثيراته طويلة المدى.
لذلك، إذا كان الشخص مصابًا بمرض مناعي أو يتناول أدوية منتظمة، فمن الأفضل عدم تغيير نظامه الغذائي أو إيقاف علاجه بهدف تجربة الصيام من دون استشارة الطبيب

ماذا عن الصيام وفوائد الجسم بشكل عام؟
قد يرتبط الصيام أو تقييد السعرات لدى بعض الأشخاص بتحسينات في الوزن وبعض المؤشرات الأيضية، لكن الفوائد تختلف من شخص إلى آخر.
كما أن بعض الدراسات الحديثة تبحث في تأثير الأنظمة التي تحاكي الصيام في مؤشرات مرتبطة بصحة التمثيل الغذائي والعمر البيولوجي، إلا أن هذه النتائج لا تعني أن الصيام يمنع الشيخوخة أو الأمراض أو يضمن تجدد خلايا الجسم.
ومن المهم أيضًا عدم النظر إلى الصيام بمعزل عن جودة الغذاء. فالحصول على البروتين والفيتامينات والمعادن والسوائل بكميات مناسبة يبقى جزءًا أساسيًا من التغذية الصحية
الخلاصة
تشير الدراسات إلى أن الصيام وتقييد السعرات يمكن أن يؤثرا في بعض العمليات المرتبطة بالتمثيل الغذائي والالتهاب ووظائف جهاز المناعة، وهناك اهتمام علمي متزايد باستخدام بعض الأنظمة الغذائية كوسيلة مساعدة في دراسة أمراض المناعة الذاتية.
لكن الأدلة الحالية لا تسمح بالقول إن الصيام «يقوي المناعة» لدى الجميع، ولا تثبت أنه علاج لأمراض المناعة الذاتية. وما تزال النتائج البشرية محدودة ومتفاوتة، خصوصًا عند الحديث عن تأثير الصيام في مسار الأمراض نفسها.
لذلك، يبقى الصيام خيارًا غذائيًا له أشكال متعددة، وليس علاجًا طبيًا بحد ذاته. أما الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو يتناولون أدوية منتظمة، فمن الأفضل أن يستشيروا الطبيب قبل إجراء تغييرات كبيرة في نظامهم الغذائي.
الكلمات المفتاحية
الصيام، الصيام المتقطع، جهاز المناعة، تقوية المناعة، أمراض المناعة الذاتية، تقييد السعرات الحرارية، التصلب المتعدد، الالتهاب، التغذية الصحية، فوائد الصيام.
تنويه طبي وعلمي
المعلومات الواردة في هذا المقال تثقيفية عامة، وتستند إلى دراسات ومراجعات علمية منشورة، ولا تُعد تشخيصًا أو علاجًا طبيًا أو توصية شخصية. لا ينبغي إيقاف أي دواء موصوف أو تغيير نظام غذائي علاجي اعتمادًا على هذه المعلومات، ويُنصح باستشارة الطبيب قبل إجراء تغييرات غذائية كبيرة، خصوصًا لدى المصابين بأمراض مزمنة أو الذين يتناولون أدوية منتظمة.
المصادر العلمية
He Z, Xu H, Li C, Yang H, Mao Y. Intermittent fasting and immunomodulatory effects: A systematic review. Frontiers in Nutrition. 2023;10:1048230. doi:10.3389/fnut.2023.1048230. PMID: 36925956.
Barati M, Ghahremani A, Namdar Ahmadabad H. Intermittent fasting: A promising dietary intervention for autoimmune diseases. Autoimmunity Reviews. 2023;22(10):103408. doi:10.1016/j.autrev.2023.103408. PMID: 37572827. وتشير هذه المراجعة إلى أن الأدلة المتعلقة بعدد من أمراض المناعة الذاتية ما تزال محدودة وغير حاسمة.
The Effects of Intermittent Fasting on Inflammatory Markers in Adults: A Systematic Review and Pairwise and Network Meta-Analyses. 2025. شملت المراجعة 21 دراسة و839 مشاركًا، ووجدت تأثيرات متفاوتة للصيام المتقطع في بعض مؤشرات الالتهاب، مع الحاجة إلى دراسات أطول.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق