In this article

لِمَ تَتَأَخَّرُ بَعْضُ الأَحْلَامِ وَيَتَحَقَّقُ بَعْضُهَا فِي لَحْظَةٍ؟
تتجلى الرؤى والأحلام في أصلها كرسائل روحانية تخترق أستار الغيب، تتسلل إلى الروح كخطفة نورٍ؛ تُذَكِّرُ العَبْدَ بِأَنَّ أصل السماء العطاء وأصل القدر الجريان، في آيةٍ من الصفاء الروحي الذي سرعان ما يصطدم بوعينا حين نفيض إلى اليقظة؛ فما بين نزول البشارة وتحققها إلا لحظة تستيقظ فيها ذاتُنا؛ ذاتٌ تتفكر، تتساءل، وترسم المسارات، وتتخيل الكيفيات، فتنسج حول الحلم هالة من التشبث الخانق والخوف المتخفي، وكأنها تبني سداً منيعاً في مجرى نهر القدر؛ في مناقضة تامة للحظة تشكلها الأولى.
فتلك الرؤيا تولد صافية مع تساقط حجب التدبير عن النفس في نومها العميق؛ حين يذوق الإنسان حريته الروحية بإنابة الأمر لمولاه، فيغدو القلب إناءً نقياً يستقبل فيض السماء بلا حجب. وكلما زاد تفكيرنا وحساباتنا للمطلوب، ازدادت المشاعر اضطراباً، فتشكلت في النفس غشاوة من القلق يغيب معها صفاء الاستقبال، ومعه يتباطأ تجلي الوعد. أما حين يهدأ ضجيج التفكير ويصل المرء إلى استواء الأمرين وسكون الرضا التام، تتفتح أزهار الرؤى وتشرق طائعة، كنسيم السحر الهادئ؛ وفي سرّ السنين الأربعين التي امتدت بها رؤيا الصدِّيق يوسف عليه السلام حين قال: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4] حتى أشرقت في إبانها المقدر.
لم يكن ذلك الامتداد الزمني عقوبة أو نقصاً في مقام الصدِّيق عليه السلام، بل كان ترتيباً إلهياً مقدوراً؛ فالرؤيا لم تكن شأناً فردياً خاضعاً لرغبة شخصية، بل كانت قدر أمة وتحول تاريخ. كان الوقت يذيب حجب الحسد والكبرياء في نفوس إخوته عبر السنين، لتتهيأ القلوب لسجود الاعتراف والتسليم حين قيل: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: 91]. وفي قلب تلك الرحلة الممتدة، ظل يوسف عليه السلام مظهر التسليم المطلق؛ فلم يتشبث بتدبيره وتفكيره للرؤيا، بل عاش في سجنه روح الخادم لمولاه؛ يدعو إلى الله، ويفسر للناس، ويتفانى في خدمة من حوله، حتّى تحقّقت الرؤيا في أوانها الشريف حين قال لأبيه: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: 100].
وفي تجلٍّ آخر، يشرق الخليل إبراهيم عليه السلام ليرسخ كيف يطوي تجرد المتجرد عقود الانتظار في لحظة واحدة؛ فعندما رأى في المنام أمره الرباني، قال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: 102]، لم تأخذه ذاته إلى التساؤل، ولا إلى التفكير في الكيفية، ولا إلى صراع المشاعر، بل امتثل في ذات اللحظة وبأعلى درجات التسليم: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَّدَقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: 103-105]. ولأن التفويض كان مطلقاً، جاء الفرج فورياً: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107]. لم يكن المراد إراقة الدماء، بل كان المراد "قطع الأسْر الوجداني" والتشبث بغير الله في قلب الخليل، فلما سقط ذلك التشبث، أثمرت الرؤيا معناها الحقيقي دون حاجة لتجسيد مرارتها.
وهكذا تُعلمنا النفحات الإلهية ألا نتمسك بالسبب وننسى المسبب. فالأحلام الشريفة لا تطلب منا أن نكبلها بظنوننا وحساباتنا القاصرة، بل تستحث فينا سر التسليم؛ أن نستقبل رسائلها بلا توتر، ونتمتع بالرجاء بلا قلقٍ مضطرب، متحققين بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: 22]. فمتى ما خلينا أيدينا من المخاوف، فتحت السماء أبوابها بالفرج.
ختاماً، تبقى هذه السطور مجرد خاطرة وجدانية وقراءة تدبرية لطيفة في آفاق النص القرآني، دون أن تدعي لنفسها قطعاً أو جازماً بتمام التفسير.
Keep up with AMB
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment