الفصام هو اضطراب نفسي
الفصام هو اضطراب نفسي
الفصام هو اضطراب نفسي مزمن يؤثر على طريقة إدراك الشخص للواقع، وطريقة تفكيره وتفاعله مع من حوله. ويُعد من أكثر الاضطرابات النفسية التي أسيء فهمها اجتماعيًا، حيث يربطه البعض بالعنف أو فقدان العقل، وهو تصور غير دقيق وغير عادل للمصابين به.
يظهر الفصام غالبًا في أواخر المراهقة أو بداية سن الرشد، وتتنوع أعراضه بين أعراض إيجابية وأخرى سلبية. تشمل الأعراض الإيجابية الهلاوس، مثل سماع أصوات غير موجودة، والأوهام، كاعتقاد أفكار غير واقعية أو الشعور بالملاحقة. أما الأعراض السلبية فتتمثل في الانسحاب الاجتماعي، تبلد المشاعر، ضعف التعبير العاطفي، وقلة الدافعية.
تتعدد أسباب الفصام، ولا يوجد سبب واحد مباشر له. تلعب العوامل الوراثية دورًا مهمًا، حيث تزيد احتمالية الإصابة في حال وجود تاريخ عائلي للمرض. كما أن اختلال التوازن الكيميائي في الدماغ، خاصة مادة الدوبامين، يعد عاملًا أساسيًا. بالإضافة إلى ذلك، قد تساهم الضغوط النفسية الشديدة أو الصدمات في تحفيز ظهور المرض لدى الأشخاص المعرضين له.
من أكبر التحديات التي يواجهها مريض الفصام هو صعوبة التفرقة بين الواقع والخيال أثناء النوبات. هذا الأمر قد يجعله يبدو غريب الأطوار أو غير مفهوم للآخرين، مما يزيد من عزله الاجتماعي. لذلك، فإن الدعم الأسري والمجتمعي يلعب دورًا محوريًا في تحسين حالته النفسية وجودة حياته.
العلاج الأساسي للفصام يعتمد على الأدوية المضادة للذهان، التي تساعد في تقليل الهلاوس والأوهام وتنظيم التفكير. ويُعد الالتزام بالعلاج أمرًا ضروريًا، لأن التوقف المفاجئ قد يؤدي إلى انتكاسات خطيرة. إلى جانب العلاج الدوائي، يُستخدم العلاج النفسي والتأهيل الاجتماعي لمساعدة المريض على التكيف مع الحياة اليومية.
كما أن التوعية المجتمعية ضرورية لتقليل الوصمة المرتبطة بالفصام. فالمريض ليس خطرًا بطبيعته، ولا يفقد إنسانيته أو قدرته على الحياة الكريمة. مع العلاج والدعم المناسبين، يستطيع كثير من المصابين بالفصام الدراسة والعمل وبناء علاقات مستقرة.
الأمراض النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة للإنسان، تمامًا مثل الأمراض الجسدية، إلا أنها ما زالت تُقابل بالكثير من سوء الفهم والوصم الاجتماعي. يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من اضطرابات نفسية مختلفة، تتنوع بين الاكتئاب، القلق، الاضطرابات المزاجية، اضطرابات الشخصية، والفصام وغيرها، وكلها تؤثر بدرجات متفاوتة على التفكير، المشاعر، والسلوك اليومي.
علاج الأمراض النفسية لا يعتمد على أسلوب واحد فقط، بل هو عملية متكاملة تختلف من شخص لآخر حسب نوع الاضطراب وشدته. في كثير من الحالات، يُعد العلاج النفسي حجر الأساس، حيث يساعد المريض على فهم حالته، والتعامل مع أفكاره ومشاعره بشكل صحي. من أشهر أنواع العلاج النفسي العلاج السلوكي المعرفي، الذي يركز على تعديل أنماط التفكير السلبية، بالإضافة إلى العلاج الداعم والعلاج الأسري.
في بعض الاضطرابات، يكون العلاج الدوائي ضروريًا، خاصة عندما تكون الأعراض شديدة أو تؤثر بشكل كبير على حياة المريض. الأدوية النفسية تساعد في تنظيم كيمياء الدماغ وتخفيف الأعراض، لكنها تحتاج إلى إشراف طبي دقيق والالتزام بالجرعات المحددة. من المهم التأكيد أن تناول الأدوية النفسية لا يعني الضعف أو الجنون، بل هو خطوة علاجية طبيعية مثل أي دواء آخر.
نمط الحياة الصحي يلعب دورًا مهمًا في دعم العلاج النفسي. النوم المنتظم، التغذية السليمة، ممارسة الرياضة، وتقليل الضغوط اليومية تساعد في تحسين الحالة النفسية وتقليل الانتكاسات. كما أن تجنب العزلة والانخراط في أنشطة اجتماعية بسيطة يعزز الشعور بالانتماء والدعم.

أما دور المحيطين بالمريض النفسي، فهو دور محوري لا يقل أهمية عن العلاج نفسه. أول خطوة حقيقية هي الفهم والوعي. الجهل بطبيعة المرض يؤدي غالبًا إلى أحكام قاسية أو نصائح غير مفيدة مثل “تشجع” أو “قوّي إرادتك”، وهي عبارات قد تزيد شعور المريض بالعجز والذنب. الفهم الصحيح يجعل التعامل أكثر إنسانية وتعاطفًا.
الدعم العاطفي عنصر أساسي في رحلة التعافي. الاستماع للمريض دون سخرية أو تقليل من مشاعره، واحترام ما يمر به، يمنحه شعورًا بالأمان. أحيانًا لا يحتاج المريض إلى حلول بقدر ما يحتاج إلى شخص يشعره أنه غير وحيد، وأن مشاعره مسموعة ومفهومة.
من المهم أيضًا تشجيع المريض على الاستمرار في العلاج دون ضغط أو تهديد. التذكير بالمواعيد الطبية، ودعمه في الالتزام بالأدوية، يجب أن يكون بلطف واحترام، لا بأسلوب السيطرة أو الإلحاح الزائد. العلاقة الصحية بين المريض ومحيطه تقوم على الثقة لا على المراقبة.
كذلك يجب على الأسرة والمجتمع تجنب الوصم والتنمر، سواء بالكلام أو التصرفات. السخرية، المقارنات، أو تحميل المريض مسؤولية مرضه تؤدي إلى تدهور حالته النفسية وقد تمنعه من طلب المساعدة مستقبلًا. الوعي المجتمعي يقلل من الخوف ويزيد فرص العلاج المبكر.
في النهاية، الأمراض النفسية ليست عيبًا ولا ضعفًا، بل حالات إنسانية تحتاج إلى علاج، صبر، ودعم. عندما يتكامل العلاج الطبي مع الاحتواء الأسري والمجتمعي، تتحسن فرص التعافي بشكل كبير. الاهتمام بالصحة النفسية هو استثمار في الإنسان نفسه، وفي مجتمع أكثر وعيًا ورحمة وتوازنًا.
الفصام اضطراب نفسي يؤثر على إدراك الواقع والتفكير، ويمكن التعايش معه بالعلاج الدوائي والدعم النفسي والاجتماعي المستمر.