النفس بين الضعف والقوة
النفس بين الضعف والقوة
النفس هي أعظم ما في الإنسان وأخطر ما فيه في الوقت نفسه. بها يسمو إلى أعلى الدرجات، وبها يهبط إلى أسفلها. هي ساحة الصراع الحقيقي بين الخير والشر، وبين الشهوة والعقل، وبين الهوى والحق. ولأجل خطورة النفس جاء ذكرها كثيرًا في القرآن الكريم، ومن أعظم ما قيل فيها قول الله تعالى في القرآن الكريم على لسان نبي الله يوسف عليه السلام: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾، إشارةً إلى طبيعتها التي تميل إلى الشهوات إن لم تُهذَّب وتُزكَّ.
وقد قسّم العلماء النفس إلى مراتب، منها النفس الأمّارة بالسوء، وهي التي تدفع صاحبها إلى المعصية دون تردد، ثم النفس اللوّامة التي تستيقظ فيها جذوة الضمير فتؤنب صاحبها على الخطأ، وأخيرًا النفس المطمئنة، التي بلغت درجة من السكينة والرضا جعلتها ثابتة على الطاعة، مطمئنة بقضاء الله، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.
النفس بطبيعتها تحب الراحة، وتميل إلى ما يحقق لها اللذة العاجلة، لكنها في كثير من الأحيان تجهل عواقب الأمور. قد تدفع الإنسان إلى الغضب في لحظة، أو إلى كلمة جارحة، أو إلى تقصير في عبادة، ثم تتركه يندم بعد ذلك. لذلك كان جهاد النفس من أعظم أنواع الجهاد، لأنه صراع داخلي لا يراه الناس، ولا يصفق له أحد، لكنه عند الله عظيم الأجر.
وتهذيب النفس لا يكون بالقسوة عليها فقط، بل بفهمها وتوجيهها. فالنفس تحتاج إلى غذاء روحي كما يحتاج الجسد إلى الطعام. تقوى بالصلاة، وتصفو بذكر الله، وتلين بقراءة القرآن، وتسمو بالصحبة الصالحة. وكلما اقترب الإنسان من ربه، هدأت نفسه واطمأنت، وقلت وساوسها، وضعف سلطان الهوى عليها.
كما أن للنفس جانبًا إيجابيًا عظيمًا؛ فهي مصدر الطموح والإبداع والعاطفة. بها يحب الإنسان، ويحلم، ويسعى، ويحقق الإنجازات. النفس إذا زُكّيت أصبحت قوة دافعة نحو الخير، وإذا أُهملت أصبحت سببًا في الضياع. لذلك قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، فالفلاح الحقيقي مرتبط بتزكية النفس، لا بكثرة المال ولا بالمظاهر.
إن رحلة الإنسان في هذه الحياة هي رحلة مع نفسه أولًا. كل قرار يتخذه، وكل خطوة يخطوها، تبدأ من داخله. فإن أصلح ما بداخله، صلح ما حوله. وإن ترك نفسه للهوى دون ضابط، تاه في دروب الحياة. ومن هنا تأتي أهمية المراجعة الدائمة للنفس، ومحاسبتها، وسؤالها: هل ما أفعله يرضي الله؟ هل يرفعني أم يضعني؟
في النهاية، النفس أمانة بين يدي صاحبها، وهي رأس ماله الحقيقي. فإن رباها على الطاعة، وأدّبها بالصبر، ووجّهها نحو الخير، كانت سبب نجاته وسعادته في الدنيا والآخرة. أما إن أهملها، وترَكها تسير خلف كل رغبة، فقد يخسر الكثير. فالعاقل من عرف نفسه، وجاهدها، وسعى إلى أن تكون نفسه مطمئنة راضية، تسير في طريق النور والثباتوالقوة