ماذا تعرف عن منبهات الألم ؟

ماذا تعرف عن منبهات الألم ؟

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

ماذا تعرف عن منبهات الألم ؟

يثور الألم بتنبيه النهايات العصبية الحرة، أو الألياف العصبية ذاتها، سواء بمنبهات فيزيائية أو كيميائية، وقد يتعذر فهم الكيفية التي تؤثر بها هذه المنبهات، ولا سيما عندما يكون الألم الناشيء عنها عرضا لمرض ما، ولأن ردود الفعل التي تتولد ضمن الجهاز العصبي المركزي تجاه هذه المنبهات تعدل من أثر التجربة الحسية، فتقويه أو تضعفه !

المنبهات الفيزيائية:

يثار الألم في الجلد بأنواع عديدة من المنبهات الحرارية والآلية والكهربائية المؤذية، ولذا يخدمنا الألم وما يصاحبه من ردود فعل إرادية ومنعكسات دفاعية في الحد من حجم الإصابة الناجمة عن التنبيه المؤذي.

ويتولد الألم السطحي بالجلد عند تعرض سطح الجسم إلى ضغط زائد أو رض (لطمة على الساق، أو قلع الشعر ..) أما الألم الحشوي (المغص المعوي، ألم المخاض) فيتولد عن التوتر المفرط في النهايات العصبية التي تنقل حس الألم، وهذه النهاييات العصبية توجد موزعة في العضلات الملساء الداخلة في تكوين الأحشاء. كما أن تمدد جدر الأوعية الدموية ( سواء بتوسعها المفرط أو بالشد عليها ) يمكن أن يثير الألم إذا ما تخطى عتبة الألم، فالصداع النابض االذي يعقب حقن الجسم بمادة الهيستامين (Histamine) ينشأ عن توسع الشرايين داخل القحف، وهو يشبه في منشئه الصداع الذي يصاحب الحمى Fever، وربما كان هو نفسه الصداع المرهق الذي يخلفه في المرء إدمانه على المسكرات !

image about ماذا تعرف عن منبهات الألم ؟

ويؤدي ارتفاع توتر السائل الدماغي الشوكي داخل القحف إلى الصداع بسبب الضغط الذي يقع على جدر الشرايين الدماغية أو الجيوب الوريدية، كما أن هبوط التوتر داخل القحف عند بذل كمية زائدة من السائل الدماغي الشوكي أو بتسرب هذا التسائل نحو الخارج بأية وسيلة، يؤدي إلى الصداع بهذه الكيفية أيضاً.

أما في صداع الشقيقة، وهو صداع عنيف يصيب جانباً واحداً من الرأس غالباً، فإن الألم يتولد عن زيادة النبضان والتوسع في فروع الشريان السباتي الظاهر في الجانب المصاب، ويؤدي إعطاء مادة Ergotamine إلى زوال الصداع لأن هذه المادة تنقص النبضان والتوسع الشرياني (وتفعل مادة noradrenaline الفعل ذاته).

وثمة مثال آخر للألم الناجم عن التوتر، وهو الصداع الناشيء عن تشنج عضلات العنق وفروة الرأس، حيث تسبب بؤرة تخريش (دُمَّل في العنق مثلاً) بدء التشنج العضلي ولا سيما في العظمة القصية الخشائية sternomas-toid muscle وهذا التشنج وما يصاحبه من صداع مؤلمان غاية الألم.

أما الألم الالتهابي فيرجع – شيئاً ما – إلى ازدياد التوتر في العضو الملتهب مع انخفاض عتبة الألم أي " فرط التألم" الذي ينتج عن تبدلات كيميائية حيوية في النسيج المصاب، وبذلك يتضافر العاملان الفيزيائي والكيميائي في إحداث الألم الالتهابي، ويلاحظ أنه يصعب في الحالات السوية الإحساس بالنبضان الشرياني في نواحي الجسم المختلفة بينما يغدو هذا النبضان واضحا ومحسوسا به في النسيج الملتهب، مما يسبب ألماً ممضاً يبعد النوم عن عيني المصاب.

أما الألم الناجم عن انضغاط الأعصاب (بورم أو بانفتاق قرص من الأقراص بين الفقرات) فيرجح أن يعود إلى ضعف التروية الدموية في الأعصاب، حتى إذا انقطعت التروية الدموية انقطاعاً تاما امتنع مرور الومضات العصبية عبر الأعصاب، وفقد الحس في النواحي التي تعصبها تلك الأعصاب المحاصرة، ومن ثم يزول الألم.

أما الضغط اللطيف أو المتقطع على الأعصاب فإنه يزيد قابلية الاستثارة في هذه الأعصاب ويؤدي إلى تشوش الحس Parasthesia وفرط التألم، وبذلك يصبح المنبه الذي هو دون عتبة الألم عادة، مؤلماً، ويعتقد أن نقص التروية العصبية يسبب تبدلات استقلابية في الأعصاب المصابة، ولم تحدد طبيعة هذه التبدلات بعد.

وفي داء الحلأ النطاقي Herpez voster (أو العقبول) ربما يرجع الألم إلى فرط التألم الذي تثيره المستقلبات الالتهابية وما ينتج عن الالتهاب من منتجات تتراكم في الجذور العصبية الخلفية للنخاع الشوكي، ويعتقد أن تشكل الحويصلات الجلدية الوصفية في هذا الداء يتم بهجرة الحمات على امتداد العصب الحسي باتجاه معاكس لاتجاه توصيله، وعندما تظهر تلك الحويصلات تكون العوامل المحدثة للألم قد تشكلت في الجلد.

أن متوسط درجة الحرارة الخطرة على أنسجم الجسم هي 45 ْ مئوية، وعندها يشعر المرء لأول وهلة بالألم، كما يبدأ الأذى بالأنسجة عند هذه الدرجة، وقد تتخرب الأنسجة كلها إذا ما استمرت الحرارة في هذا المستوى فترة كافية، ومن هنا يتأكد أن الألم الناجم عن التسخين يعود إلى أثر الحرارة في إتلاف الأنسجة الحية.

المنبهات الكيميائية:

لقد تناولنا فيما سبق المنبهات الفيزيائية التي تميل البحوث الحديثة إلى اعتبار أنها تؤثر بواسطة مواد كيميائية وسيطة، وإن كنا لا نستطيع في الوقت الحاضر أن نؤكد هذه الفرضية، نظرا لوجود منبهات ألمية عابرة تعمل بسرعة، كما هي الحال في وخز الإبر أو ملامسة الجلد لجسم ساخن، فالاستجابة الألمية الفورية تعني أن الوسييط الكيميائي لم يتكون بعد، فكيف حدث الألم إذن ؟!

ومن جهة ثانية فإن منبهات فيزيائية أخرى (ضربة عنيفة تحدث كدمة في الجلد، أو حرق يخلف نقاطات جلدية) لا تحدث ألماً فورياً فحسب، بل هي تحدث ألماً يستمر فترة بعد زوال التنبيه البدئي، ففي هذه الأحوال يمكن الافتراض بأن عوامل كيميائية وسيطة هي المسؤولة عن فرط التألم، وعن استمرارا لألم بعد زوال التنبيه. وفي حالات خاصة من التنبيهات الفيزيائية (الحروق بالأشعة فوق البنفسجية، وبالأشعة السينية) لا يشعر المصاب بأي ألم أثناء تعرضه للإشعاع، بل يبدأ الألم بعد فترة من الإشعاع، ويعتقد أن هذا الألم المتأخر ينشأ عن التبدلات الكيميائية التي تحصل فيما بعد في الأنسجة الحية.

وهناك حالات أخرى أيضاً، يرجع الألم فيها إلى عوامل كيميائية، ومنها حالات الالتهاب الجرثومي والالتهاب الأرجي Allergic inflamation ، والألم الناجم عن نقص التروية العضلية الإجهادي وألم القرحة الهضمية الذي تثيره عصارة المعدة الحامضة، وهذه الأنماط من الألم تستحق منا مزيدا من البحث، لما لها من أهمية خاصة:

1- ألم الالتهاب:

تؤدي عوامل مؤذية عديدة (إشعاعية وحرارية وأرجية، ورضية ..) إلى تبدلات خلوية ودموية تشكل في مجموعها أعراض " الالتهاب".

أن الألم الناتج عن الالتهاب يعود إلى عوامل كيميائية يأتيي في مقدمتها مادة الهيستامين ومركب 5-هيدروكسي تريبتامين (5-Hydroxy tryptamine) أو السيروتوفين من الصفيحات الدموية، ومواد أخرى مولدة للأم تتشكل في مصورة الدم.

وقد افترض الباحثون أن العوامل الكيميائيية التي تسبب فرط التألم في السبح الملتهبة يمكن أن تحدث ألما تلقائياً عندما تصل كثافتها إلى حد كافٍ، ومما يؤيد هذا الافتراض أنه يمكن إثارة الألم في منطقة من الجلد مفرطة التألم بحبس الدورة الدموية عنها أو برفع درجة حرارة الجلد حتى 30 ْ – 35 ْ مئوية، فارتفاع درجة الحرارة يزيد من تشكل المركبات، المولدة للألم، أما نقص التروية فإنه يعيق إزالة هذه المركبات، ويزيد في حساسية الأعصاب لها.

ولقد لاحظ الدارسون أن الماء الساخن لا يصبح مؤلماً في الحالات السوية حتى تصل درجة حرارته إلى (43 ْ مئوية) أما في الجلد الملتهب فيظهر الألم في درجة حرارة أدنى من ذلك، مما يؤكد أن الالتهاب يجعل النسيج الملتهب أكثر حساسية للمنبهات المختلفة.

2-ألم العضلات بنقص التروية الدموية (Ischemic muscular Pain):

هناك ألم يصيب الذراع بعد حبس الدوران فيه حبسا تاما برباط ضاغط، مع قبض الييد وبسطها بمعدل مرة في الثانية، فظهر الألم بعد حوالي (30) ثانية من بدء التمرين، وتبين أن الشخص الذي يجري التمرين يمكنه أن يتحمل الألم والاستمرار في قبض يده وبسطها لمدة (70) ثانية وسطياً، أن الشعور بالألم ينتشر في الذراع كله، ولكنه يتركز في العضلات.

نستنتج من هذه التجربة عدة ملاحظات:

أ-أن التشنج الوعائي ليس هو سبب الألم، إذ من المعروف أن انسداد الأوعية الدموية بفعل الرباط الضاغط يفقد الأوعية الدموية نشاطها وحيويتها، فلا تتشنج، ومع ذلك فقد ظهر الألم.

ب-ولا يرجع الألم أيضا إلى التوتر العضلي لأن الألم يستمر سواء تقلصت العضلات بحركات القبض والبسط أم توقف الشخص عن تلك الحركات وأرخى عضلاته.

ج-أن الألم ينجم عن الجهد، لأن ظهور الألم يتعلق بمدة التمرين ومقدار الجهد المبذول فيه.

د-وتظهر الملاحظات التالية أن الألم لا يرجع إلى نقص الأكسجين (anoxia) موضعياً في الأنسجة الحية:" نعيد التمرين السابق إلى أن يبدأ ظهور الألم، ونسجل المدة اللازمة لذلك، ثم نريح الذراع فترة كافية حتى يزول الألم، ونعيد التمرين مرة أخرى. ولكن إلى مدة أقصر ببضع ثوان مما سجلناه سابقا، فنجد أن الألم لا يظهر، حتى  وإن أبقينا الرباط الضاغط لفترة طويلة، بالرغم من انخفاض نسبة الأكسجين في الذراع مع مرور الوقت !

وبناء على هذه الملاحظات فقد افترض " لويس" أن النشاط العضلي يحرر عاملا مولدا للألم، أسماء العامل (p) يتجمع بين الخلايا، ويقوم الدم الجاري بإزالته تلقائيا، وإذا ما استمر التمرين العضلي مع حبس الدورة الدموية فإن هذا العامل يتراكم في الذراع حتى تصل كثافته إلى حد كاف فيتولد الألم، وعندما تتجدد الدورة الدموية فإنها تزيل في طريقها العامل (p) في غضون 2- 4 ثوانٍ، ويزول الألم.

تعلل التجارب السابقة أسباب الألم المعاود أو (العرج المتقطع) الذي يصيب الساقين أثناء المشي عند المرضى المصابين بالتهاب الأوعية الخثري الساد Thrombo-Angiitis obliterans ففي هذا الداء تتضيق الأوعية الدموية، ولكن تبقى التروية الدموية كافية للعضلات في فترات الراحة، أما أثناء المشي والحركة فإن التروية الدموية تعجز عن أن تزيد لحد يفي بالمتطلبات الإضافية للعضلات (نقص تروية نسبي) فترتفع نسبة العامل (p) تدريجياً، ويظهر الألم ثم يشتد حتى يجبر المريض على التوقف، مما يتيح الفرصة لتلاشي العامل (P ) وذهاب الألم، وعندئذٍ يغدو المريض قادراً على المسير من جدييد، لكنه لا يلبث أن يتوقف ثانية بسبب معاودة الألم.

3- ألم انسداد شرايين القلب:

إن الألم الناشيء عن انسداد شرايين القلب الإكليلية أو احتشاء القلب يشبه الألم الناشيء عن نقص التروية في عضلات الساق، إذ هو يعزى إلى نقص التروية في المنطقة المصابة من عضلة القلب، ويستمر الألم ما دامت النهايات العصبية الحرة حية في الرقعة ناقصة الترويية من العضلة القلبية، حتى إذا تلفت تلك النهايات اختفى الألم ما لم يحدث تشنج جديد في فرع آخر من الشرايين الإكليلية، فيعيد الألم الكرة من جديد، وقد يشارك في إحداث ألم احتشاء القلب الحاد تحرر مركب السيروتونين من الصفيحات الدموية، وربما يتشكل في المصورة بولي ببتيد (Polypeptide) مولد للألم أيضاً.

4- ذبحة الإجهاد Angian of effort:

يعتبر الإجهاد أو التعسب سببا رئيساً في إثارة هجمات الذبحة الصدريية وآلامها العنيفة، حتى ولو لم يوجد انسداد إكليلي ! إذ أن الإجهاد الجسدي يحمل القلب عبئاً إضافياً، ويسبب نقصا نسبياً في ري عضلة القلب بالدم، ويزيد الأمر سوءاً في حال تشنج الأوعية الإكليلية أو إصابتها بعصيدة atheroma شريانية تمنعها من التوسع لمجابهة الجهد الإضافيي وبذلك يتراكم العامل (p) في عضلة القلب، ويكون باعثاً على الألم.

وقد يحدث ألم الذبحة في الليل أو في أوقات أخرى يكون فيها المريض في راحة تامة ! ويعزى الألم في هذه الأحوال إلى تشنج الأوعية الإكليلية وحده، إذا لم توجد علامات انسداد.

5- ألم الخثرات والصمامات الشريانية:

تؤدي الخثرات والصمامات الشريانية إلى ألم شديد إذا ما أصابت أعضاء عضلية كالأمعاء أو القلب أو العضلات المخططة الهيكلية نفسها، أما حين تصيب هذه الصمامات أو الخثرات الشريانية أعضاء أخرى كالكبد أو الدماغ أو الطحال أو نسيج الرئتييين فإنها لا تسبب أي ألم، ويعلل ذلك بأن التغير في توزيع الدم ضمن هذه الأعضاء لا يثير الألم.

6- ألم القرحة الهضمية:

يعزى ألم القرحة الهضمية إلى تأثير الحمض والمخرشات الأخرى على منطقة القرحة التي تكون مفرطة الحس، ودليل ذلك الملاحظات الآتية:

·   يظهر ألم القرحة عادة بعد وجبة الطعام بفترة من الزمن تختلف حسب موقع القرحة فإذا ما كانت القرحة قريبة من ثلمة المعدة (incisura) بدأ الألم بعد ساعة واحدة من تناول الطعام، بينما تمتد الفترة إلى ثلاث ساعات أو أكثر في قرحة العفج، ويبدأ الألم عادة عندما ترتفع حموضة المعدة إلى PH=1.5 ) ) مع العلم بأن الألم قد يظهر في درجة حموضة أدنى من ذلك في حالات أخرى.

·  إن تناول الطعام (وهو يقلل حموضة المعدة) يسكن الألم في القرحة المعدية، ويقضي غالباً على ألم القرحة العفجية، وإن كان الألم في القرحة المعدية يختفي قبل تناول الوجبة التالية عادة.

·  إن القيء الذي يزيل السائل الحامضي من المعدة يسكن ألم قرحة المعدة، بينما لا يسكن ألم قرحة العفج إلا في بعض الحالات.

·  إن مضادات الحموضة تهدئ ألم القرحة الهضمية.

·   في مريض القرحة الهضمية التي يشكو من الألم العفوي المتكرر. نجد أن إدخال (200 ) سم2 من سائل حمض كلور الماء (Hcl ) بتركيز (0.5 %) إلى معدته يثير نوبة من الألم، أما إدخال الحمض ذاته إلى معدة مريض لا يعاني من ألم عضوي فإنه لا يثير أي ألم، ويررد ذلك إلى أن النهايات العصبية الألمية حين تكون مكشوفة عند فوهة القرحة فإنها تكون شديدة الحساسية لمنتجات الالتهاب وللتبدلات الموضعية في التروية الدموية، مما يجعل الحمض المعدي وغيره من المهيجات التي تدخل المعدة سبباً في تنشيط تنبيهات عصبية تثير الإحساس بالألم، أما إذا أدى الالتهاب أو الاحتقان المرافقين للقرحة إلى إضعاف التنبيه العصبيي فقد يغيب الألم، وكذلك قد تصبح القرحة غير مؤلمة وهي في طور الشفاء إذ تتغطى بالمخاط أو بالندبة المرممة أو بالخثرات الدموية وتصبح معزولة عن المنبهات الخارجية المؤذية. وقد يظهر الألم في حالات خاصة من القرحة الهضمية رغم غياب الحمض (Achylia) أو عند وجود نسبة ضئيلة منه ويعتقد أن الالتهاب في هذه الحالات يزيد من حساسية النهايات العصبية بحيث إن أي تنبيه لها يثير فيها الألم.

المرجع: 

كتاب الألم طبيعته وعلاجه للدكتور محمد كنعاان، الطبعة الأولى 1986م ، دار القبلة للثقافة الإسلامية بجدة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

279

متابعهم

603

متابعهم

6663

مقالات مشابة
-