"ساعة من التصفح تساوي يوماً من الإحباط": لماذا يبيع لنا انستجرام الاكتئاب؟
مقدمة: السيناريو المتكرر كل ليلة
الساعة الآن العاشرة مساءً. لقد انتهيت من يوم طويل وشاق. تمسك هاتفك "لتفصل" قليلاً، وتفتح انستجرام أو تيك توك لمدة خمس دقائق فقط... أو هكذا كنت تنوي. تمر ساعة كاملة دون أن تشعر، وفجأة تغلق التطبيق، وبدلاً من أن تشعر بالراحة، يداهمك شعور غريب: انقباض في الصدر، شعور بالفراغ، وإحساس ثقيل بأن حياتك مملة، رمادية، وغير كافية. أنت لست وحدك في هذا الشعور. هذا ما يسميه الخبراء "الاحتراق الرقمي" (Digital Burnout)، وهو النتيجة الحتمية للوقوع في فخ المقارنة الذي تنصبه لنا منصات التواصل الاجتماعي ببراعة.
الفخ النفسي: نظرية المقارنة الاجتماعية
في علم النفس، هناك نظرية تسمى "المقارنة الاجتماعية"، تقول ببساطة إن البشر يقيمون قيمة أنفسهم من خلال مقارنتها بالآخرين. قديماً، كنت تقارن نفسك بجارك أو زميلك في العمل. كانت مقارنة محدودة وواقعية.
لكن اليوم، وبفضل السوشيال ميديا، أنت لا تقارن نفسك بمحيطك الواقعي، بل تقارن نفسك بأفضل 1% من البشر على هذا الكوكب، وفي أفضل لحظات حياتهم فقط! أنت تقارن "يومك العادي" المليء بالمشاكل والفواتير والملابس غير المكوية، بـ "صور الإجازة المثالية" لشخص آخر في المالديف. عقلك الباطن لا يدرك الخدعة، فيبدأ بإرسال رسائل لك: "أنت مقصر"، "حياتهم أفضل"، "لماذا لست مثلهم؟".
مسرحية الواقع المزيف: الكواليس مقابل العرض
المشكلة الكبرى في منصات مثل انستجرام هي أنها ليست توثيقاً للواقع، بل هي "فلتر" للواقع. ما تراه على الشاشة هو "شريط الأحداث البارزة" (Highlight Reel) لحياة الآخرين، بينما أنت تعيش "الكواليس" (Behind the Scenes) الخاصة بحياتك بكل فوضويتها.
تلك الصورة المثالية لطبق الطعام؟ ربما تم تصويرها بعد 20 محاولة فاشلة وكان الطعام بارداً حينها. ذلك المؤثر الذي يبتسم دائماً ويسافر؟ ربما يعاني من قلق شديد وديون متراكمة لا يظهرها للكاميرا. السوشيال ميديا تبيع لنا منتجاً وهمياً اسمه "الحياة المثالية الخالية من المشاكل"، وعندما نشتري هذا الوهم، ندفع الثمن من صحتنا النفسية.
ما هو الاحتراق الرقمي؟ وكيف تعرف أنك مصاب به؟
الاحتراق الرقمي ليس مجرد تعب للعين من الشاشة، هو حالة من الإجهاد العاطفي والعقلي الناتج عن الاستهلاك المفرط للمحتوى والمقارنة المستمرة.
علاماته واضحة:
1- شعور فوري بالنقص: الإحساس بأن إنجازاتك لا قيمة لها بعد رؤية إنجازات الآخرين المضخمة.
2- حسد غير مبرر: الشعور بالضيق عند رؤية سعادة الآخرين (حتى لو كنت تحبهم في الواقع).
3- الإرهاق الذهني: عقلك متعب من معالجة آلاف الصور والمعلومات في وقت قصير.
الخاتمة: استعد السيطرة على واقعك
الحل ليس في اعتزال التكنولوجيا، بل في الوعي بها. في المرة القادمة التي تشعر فيها بذلك الانقباض بعد تصفح انستجرام، تذكر هذه القاعدة الذهبية: "لا تقارن باطن حياتك بظاهر حياة الآخرين". تذكر أن ما تراه هو مجرد لقطة منتقاة بعناية، وليست القصة الكاملة. حياتك العادية، بكل ما فيها من تحديات ولحظات بسيطة، هي الحياة الحقيقية، وهي تستحق أن تُعاش بعيداً عن فلاتر المقارنة المدمرة.