"الأنيمويا": سر الحنين الغامض لزمن لم نعشه.. هل أنت مصاب به؟
الأنيمويا: سر الحنين الغامض لأماكن وأزمنة لم نعشها قط.. هل أنت مصاب بها؟
هل حدث وأن كنت تتصفح هاتفك ليلاً، ووقعت عيناك على صورة لشارع ممطر في باريس خلال حقبة العشرينات، أو فيديو كوخ ريفي هادئ في جبال الألب، وفجأة داهمك شعور غامض وعنيف بـ "الحنين"؟ ليس مجرد إعجاب بالمنظر، بل ألم حقيقي في الصدر، وشوق جارف للعودة إلى ذلك المكان أو ذلك الزمن. شعور قوي بأنك "تنتمي" إلى هناك، وأن تلك هي حياتك الحقيقية التي فقدتها، رغم أنك في الواقع لم تطأ قدمك هذا المكان، ولم تعش في ذلك الزمن إطلاقاً!
أنت لست وحدك في هذا الشعور، وهذا ليس شيئاً من الخيال. هذا ما يطلق عليه في علم النفس الحديث والقاموس الشعوري المعاصر مصطلح "الأنيمويا" (Anemoia).
في عصر السرعة والتكنولوجيا، أصبح جيلنا هو الأكثر تعلقاً بالماضي البعيد والأماكن المجهولة. نحن نستخدم "فلاتر" تجعل صورنا الحديثة تبدو كأنها التقطت في السبعينات، ونشاهد أفلاماً بالأبيض والأسود بحثاً عن دفء مفقود. ولكن، لماذا نشتاق لزمن لم نتنفس هواءه، ولأماكن لم تزرها أجسادنا قط؟ وهل هي ذكريات حقيقية عابرة للأزمنة، أم خدعة يمارسها عقلنا الباطن؟
في هذا المقال، سنغوص في أعماق النفس البشرية لنكتشف سر الأنيمويا، ولماذا تبدو حياة الغرباء في الأزمنة العابرة، أو الأماكن البعيدة على الخريطة، أقرب لقلوبنا من واقعنا الحالي.
ما هي الأنيمويا (Anemoia)؟ "ذاكرة مستعارة"
النوستالجيا (Nostalgia) العادية هي الحنين لماضيك الشخصي؛ طفولتك، مدرستك القديمة، ورائحة بيت جدتك. أما الأنيمويا، فهي "نوستالجيا لأشياء لم تحدث لك". هي حنين لزمن لم تعشه قط، أو كما يسميها البعض "الذاكرة المستعارة".
إنه شعور معقد يمزج بين الحزن، والرغبة في الهروب، والإحساس بفقدان شيء لم تمتلكه أصلاً. عندما تشعر بالأنيمويا تجاه حقبة الستينات مثلاً، فأنت لا تحن للواقع التاريخي لتلك الفترة بحروبها ومشاكلها، بل تحن لـ "الفكرة الرومانسية" عنها؛ الموسيقى، الأزياء، والبساطة المتخيلة التي تفتقدها في حياتك الآن.
الحنين لأماكن لم نزرها: عندما تسافر الروح عبر الشاشات
واحدة من أغرب وأعمق تجارب الأنيمويا هي تلك المتعلقة بـ "المكان" (Geographical Anemoia). هذه النقطة تحديداً يمر بها الكثيرون بصمت دون أن يجدوا لها تفسيراً.
قد تشاهد فيديو قصير على "تيك توك" أو "إنستجرام" لقرية صغيرة ضبابية في اسكتلندا، أو مقهى قديم في شارع جانبي في إيطاليا. أنت لم تسافر إلى هناك أبداً، جواز سفرك خالٍ من أختام تلك الدول، لكنك تشعر بانتماء روحي عميق لهذا المكان. تشعر أنك تعرف تفاصيل هذا الشارع، وأن روحك كانت تسكن هناك يوماً ما.
هذا النوع من الحنين هو توق للنظام، للهدوء، أو للجمال الذي تفتقده في محيطك الحالي. تلك الصور والفيديوهات تقدم لك "ملاذاً آمناً" خيالياً. عقلك الباطن يقول لك: "لو كنت هناك، في ذلك المكان البعيد الذي لم أزره، لكانت حياتي أهدأ، ولكنتُ شخصاً أسعد". إنه بحث عن وطن بديل لا وجود له إلا في الصور المثالية.

الموسيقى كآلة زمن: كيف تخلق أغنية مدتها 3 دقائق نوبة أنيمويا حادة؟
إذا كانت الصور هي النوافذ التي نطل منها على الماضي، فإن الموسيقى هي "آلة الزمن" الحقيقية التي تنقلنا إليه في ثوانٍ. لا شيء قادر على إثارة نوبة أنيمويا حادة وعميقة مثل مقطوعة موسيقية تنتمي لزمن آخر.
الأمر لا يتطلب أكثر من وضع سماعات الأذن وإغلاق عينيك. بمجرد أن تبدأ أولى نغمات أغنية جاز بها "خشخشة" أسطوانات الفينيل القديمة من العشرينيات، أو أغنية روك كلاسيكية من السبعينات، يتوقف الزمن الحالي من حولك. عقلك لا يعالج النغمات كمجرد صوت، بل يبني حولها عالماً كاملاً مفقوداً.
في تلك الدقائق الثلاث المقتضبة للأغنية، أنت لا تستمع للحن فحسب، بل "تتقمص" روح العصر. تتخيل نفسك ترتدي أزياء تلك الحقبة، ترقص في قاعات احتفالات لم تعد موجودة، أو تقود سيارة كلاسيكية في طريق مفتوح. الموسيقى تخترق حواجز المنطق وتجعلك تشعر بصدق أنك ابن لذلك الزمن البعيد، وأن هذه الألحان هي "الموسيقى التصويرية" (Soundtrack) لحياتك البديلة التي لم تعشها قط. إنها تجربة شعورية مكثفة تثبت أننا أحياناً نشتاق لما نسمعه أكثر مما نراه.
لماذا يخدعنا عقلنا بهذا الشعور؟ (التفسير النفسي)
علماء النفس يرون أن الأنيمويا ليست مجرد شعور رومانسي، بل هي آلية دفاعية يستخدمها العقل لسببين رئيسيين:
1- الهروب من ضغوط الحاضر: نحن نعيش في عصر مليء بالقلق، الإشعارات المستمرة، ومتطلبات العمل التي لا تنتهي. الحاضر مرهق ومقلق. بالمقابل، الماضي (أو الأماكن البعيدة) يبدو في خيالنا مكاناً "مفلترًا"، خالياً من التعقيد، وثابتاً لا يتغير. الهروب إليه ذهنياً يمنحنا راحة مؤقتة.
2- البحث عن الهوية: في ظل تشابه كل شيء في العالم الحديث، قد يلجأ البعض لتبني "جماليات" (Aesthetics) عصور سابقة كنوع من التميز وبناء هوية مختلفة عن السائد.
سؤال للمستقبل: هل سيصاب أحفادنا بـ "الأنيمويا" تجاه زمننا الحالي؟
قد يبدو هذا السؤال غريباً، فنحن نرى زمننا الحالي مليئاً بالضجيج، والتلوث، والقلق الرقمي، ونظن أنه لا يوجد فيه ما يستحق الحنين. لكن الحقيقة المدهشة هي أن الأنيمويا هي دائرة لا تتوقف.
تخيل شخصاً في عام 2080، يتصفح صوراً "رقمية" قديمة من عام 2024. سيرى أزياءنا التي نعتبرها عادية جداً، سيرى هواتفنا الذكية (التي ستكون حينها تقنية بدائية ومنقرضة)، وسيشاهد مقاطع "تيك توك" العفوية التي نصورها اليوم.
في عينيه، سيبدو زمننا "عصراً ذهبياً"؛ زمن البدايات الرقمية، زمن التواصل البشري قبل سيطرة الروبوتات بالكامل، زمن "البساطة" النسبية. سيشعر ذلك الشخص المستقبلي بنوبة أنيمويا حادة تجاه أيامنا هذه التي نتذمر منها الآن! هذا الإدراك يقودنا لحقيقة هامة: كل زمن – مهما بدا صعباً لأهله – سيتحول يوماً ما إلى "لوحة فنية" يشتاق إليها من لم يعشها. نحن الآن نصنع "النوستالجيا" للمستقبل دون أن ندري، فلماذا لا نحاول الاستمتاع بـ "الآن" قبل أن يصبح مجرد "ذكرى جميلة" لشخص آخر؟
الخاتمة: استمتع بالرحلة، لكن لا تنسَ الواقع
الشعور بـ الأنيمويا تجربة إنسانية غنية وجميلة، تدل على عمق خيالك ورقة مشاعرك. لا بأس أن تستمتع بهذا الحنين، أن تستمع لموسيقى قديمة، أو تتخيل نفسك تتجول في شوارع مدن لم تزرها.
لكن الحذر واجب؛ لا تدع هذا الحنين للأزمنة والأماكن المتخيلة يجعلك ساخطاً على واقعك الحالي أو يمنعك من عيش اللحظة. تذكر دائماً أن تلك الصور مثالية لأنها ناقصة؛ هي لا تظهر الجانب المظلم من تلك الأزمنة أو الصعوبات في تلك الأماكن. استمتع بزياراتك الخيالية للماضي، لكن عد دائماً لتبني مستقبلك في الحاضر.