الغيرة بين الإخوة: متى تكون طبيعية ومتى تحتاج تدخلًا نفسيًا ؟
الغيرة بين الإخوة: متى تكون طبيعية ومتى تحتاج تدخلًا نفسيًا ؟
تُعد الغيرة بين الإخوة من أكثر الظواهر شيوعًا داخل الأسرة، وغالبًا ما تُقابل بالاستخفاف أو التفسير السريع على أنها “تصرفات طفولية عابرة”. إلا أن الغيرة، في جوهرها، تجربة نفسية معقدة تعبّر عن احتياجات عاطفية عميقة، وقد تكون أحيانًا رسالة استغاثة صامتة تستدعي الانتباه والتدخل.
الغيرة الطبيعية: جزء من النمو النفسي
في مراحل الطفولة المبكرة، تكون الغيرة رد فعل طبيعي لتغيّر توزيع الاهتمام داخل الأسرة، خاصة عند قدوم طفل جديد. الطفل في هذه المرحلة لم يكتمل لديه الإحساس بالأمان العاطفي، فيفسّر أي اهتمام موجّه لأخيه على أنه تهديد لمكانته.
الغيرة الطبيعية تظهر في سلوكيات مؤقتة مثل:
* التذمر أو طلب الاهتمام الزائد.
* التقليــد أو المنافســة البسيطـة.
- * الرغبـــة فــي لفــت الانتبـــاه.
(( أمثلة ))
- - طفل كان طبيعي وهادئًا، وبعد ولادة أخيه أصبح يتعمّد البكاء، يطلب حمله باستمرار، أو يعود للتبول اللاإرادي.
- - طفل يكسر ألعاب أخيه أو يتهمه بالكذب أمام الوالدين دون سبب واضح. وذلك ناتج عن الطفل لا يستطيع التعبير عن مشاعر الغضب أو الغيرة بالكلام، فيلجأ لسلوك عدواني كوسيلة تفريغ.
هذه المظاهر غالبًا ما تخفّ مع الوقت إذا شعر الطفل بالاحتواء والطمأنة، وتعلّم أن الحب لا يُقسّم بل يتّسع للجميع.
متى تتحول الغيرة إلى مشكلة ؟
تخرج الغيرة عن إطارها الطبيعي عندما تصبح شديدة، مستمرة، أو مؤذية نفسيًا أو سلوكيًا. في هذه الحالة، لا تعود مجرد مشاعر عابرة، بل مؤشرًا على خلل في التوازن العاطفي للطفل.
من العلامات المقلقة :
- - عدوانية متكـررة تجـاه الإخـوة.
- - تراجع مفاجئ في السلوك أو التحصيل الدراسي.
- - قلق شديد أو انسحاب اجتماعي.
- - إيـذاء النفـس أو الآخريـن بشكـل غيــر مباشـر.
- - حديـث متكـرر عن عـدم الحــب أو التفضيـــل.
هنا، لا تكون الغيرة المشكلة الأساسية، بل عرضًا لمشكلة أعمق مثل الشعور بالإهمال، المقارنة المستمرة، أو غياب الأمان النفسي.
دور الوالدين في تضخيم الغيرة أو احتوائها
تلعب البيئة الأسرية الدور الأكبر في تشكيل الغيرة. فالمقارنات، حتى غير المقصودة، تزرع بذور الصراع بين الإخوة. كما أن الثناء المشروط أو توزيع الاهتمام بناءً على السلوك “المثالي” يعمّق الإحساس بعدم العدالة.
في المقابل، يساعد الاحتواء الواعي على تحويل الغيرة إلى فرصة تعليمية، وذلك عن طريق :
- - الاعتراف بمشاعر الطفل دون توبيخ.
- - تخصيـــص وقـت فـردي لكـل طفــل.
- - تجنّـــب المقارنـــات المباشــرة أو غيــر المباشـــرة.
- - تعليم الطفل التعبير عن مشاعره بالكلام بدل السلوك.

متى نحتاج تدخلًا نفسيًا ؟
يصبح التدخل النفسي ضروريًا عندما تفشل الأساليب التربوية المعتادة، أو عندما تؤثر الغيرة على الصحة النفسية للطفل أو علاقاته. الأخصائي النفسي لا “يعالج الغيرة” بقدر ما يساعد الطفل على فهم مشاعره وبناء شعور داخلي بالأمان والقيمة الذاتية.
الخاتمة :
الغيرة بين الإخوة ليست خطأ تربويًا ولا عيبًا نفسيًا، بل تجربة إنسانية طبيعية. الفرق الحقيقي يكمن في كيفية التعامل معها: إما أن تُهمَل فتتحول إلى جرح نفسي، أو تُفهَم وتُحتوى فتصبح جسرًا للنضج العاطفي. الطفل الذي يُسمع ويُطمأن، لا يحتاج أن يغار ليشعر بأنه محبوب.